أبعاد إقليمية:
دوافع “إيكواس” لرفع العقوبات عن النيجر

أبعاد إقليمية:

دوافع “إيكواس” لرفع العقوبات عن النيجر



خلال اجتماعهم في العاصمة النيجيرية أبوجا، في 24 فبراير الجاري، قرر رؤساء الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس”، رفع جزء كبير من العقوبات عن النيجر، التي كانت المجموعة قد فرضتها في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، في 26 يوليو الماضي.

وكما يبدو، فإن ثمة دوافع متعددة ساهمت بشكل واضح في قرار “إيكواس”، في مقدمتها تأتي محاولة المجموعة دفع النيجر، إضافة إلى مالي وبوركينافاسو، لإعادة النظر في قرار الانسحاب من “إيكواس”؛ وهي محاولة تأتي في اتجاه مواجهة الأخيرة لإعلان تلك الدول الثلاث عن تشكيل تحالف “دول الساحل”.

ولا يمكن فصل ذلك عما تبدّى بوضوح من فشل سياسة العقوبات وتجميد المساعدات التي فرضتها المجموعة في دفع العسكريين للتراجع عن السيطرة على السلطة وإعادة بازوم إلى الحكم. ويتوازى ذلك مع التوجه الذي تتبناه “إيكواس” حالياً بالدعوة إلى المُصالحة في مواجهة سلسلة الأزمات التي تُعاني منها خلال السنوات الأخيرة.

أسباب عديدة

تتعدد العوامل الدافعة إلى قرار “إيكواس” برفع العقوبات عن النيجر، ويتمثل أبرزها في:

1- تعزيز فرص التراجع عن قرار الانسحاب: يُمكن النظر إلى قرار رفع العقوبات بأنه محاولة من جانب “إيكواس” لدفع النيجر ومالي وبوركينافاسو نحو البقاء في التكتل الاقتصادي لدول غرب أفريقيا، الذي تأسس قبل حوالي 50 عاماً. إذ كانت الدول الثلاث قد أعلنت، في 28 يناير الماضي، نية الانسحاب من المجموعة.

وكما يبدو، فإن انسحاب الدول الثلاث من الممكن أن يُساهم في تقويض جهود التكامل الإقليمي لهذا التكتل الاقتصادي، في الوقت الذي يُساعد فيه على “الانفصال الفوضوي”، بما يؤدي إلى خسارة تدفقات التجارة والخدمات في “إيكواس”، التي تبلغ قيمتها حوالي 150 مليار دولار سنوياً، بحسب تقرير لـ”بلومبرج” في 24 فبراير الجاري.

2- مواجهة تشكيل تحالف “دول الساحل”: في إثر العقوبات التي فرضتها “إيكواس” على النيجر، في 30 يوليو الماضي، أي بعد أربعة أيام من سيطرة العسكريين على الحكم، وتحدي النيجر لهذه العقوبات، بالتشارك مع جارتيها مالي وبوركينافاسو، أعلنت الدول الثلاث تشكيل “تحالف دول الساحل”، في 21 سبتمبر الماضي، بعدما طلبت مُغادرة القوات الفرنسية لأراضيها، مع توجهها نحو روسيا كـ”قوة مناوئة للغرب”.

والمُلاحظ أن تشكيل “تحالف دول الساحل”، مع الخطوة التي أعقبت ذلك بإعلان نية الخروج من “إيكواس”؛ قد يدفع دولاً أخرى، مثل غينيا، التي ساندت النيجر في محاولة تفادي التأثير السلبي الكبير لعقوبات “إيكواس”، إلى السعي للانضمام إلى التحالف الجديد، بما يعني احتمال تفكك “إيكواس”.

3- فشل سياسة العقوبات وتجميد المساعدات: مثَّل قرار الدول الثلاث (النيجر، ومالي، وبوركينافاسو) تشكيل “تحالف دول الساحل”، وما أعقبه من التحرك للخروج من “إيكواس”، انتكاسة لهذه الأخيرة، بل واعتُبر دلالة على فشل سياسة فرض العقوبات وتجميد المساعدات.

واللافت، إضافة إلى فشل سياسة العقوبات، أن تهديد تلك الدول بالانسحاب من “إيكواس”، بما يُقوض مستقبل المجموعة نفسها، كان السبب في تحول سياسة “إيكواس”، إلى الدرجة التي قامت لأجلها باستبعاد قضية الديمقراطية وعودة الحكم المدني إلى الدول التي تحكمها أنظمة عسكرية من قمة أولوياتها.

ولعلّ ذلك هو ما حاول الرئيس النيجيري، بولا أحمد تينوبو، الذي يتولى رئاسة “إيكواس”، التعبير عنه حينما قال في افتتاح القمة: “يجب أن نُراجع نهجنا تجاه عودة النظام الدستوري في 4 من دولنا الأعضاء”، في إشارة إلى كل من مالي والنيجر وبوركينافاسو وغينيا.

4- إلغاء النيجر تجريم الهجرة غير الشرعية: استكمالاً لإصرار المجلس العسكري في النيجر على تحدي ضغوط “إيكواس”، وكذلك الضغوط الغربية، عبر فرض العقوبات وتجميد المساعدات؛ أصدر المجلس، في نهاية نوفمبر الماضي، مرسوماً يقضي بـ”إلغاء قانون 2015″، وهو القانون الذي كانت النيجر قد وقَّعت عليه تحت تأثير ضغوط الاتحاد الأوروبي للتصدي للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا عن طريق النيجر.

ولم يتوقف المجلس العسكري في النيجر عند حدود إلغاء القانون، الذي كان يفرض عقوبات على المتورطين في مسألة الهجرة، ولكن أضاف -بحسب المرسوم الصادر- إلغاء القانون وما يترتب عليه ابتداء من تاريخ صدوره في 26 مايو 2015.

وقد أبدت رئيسة المفوضية الأوروبية للشئون الداخلية، إيلفا جوهانسون، في 2 ديسمبر الماضي، قلقها من الإجراء الذي اتخذه المجلس العسكري في النيجر، خاصةً أن الأخيرة تشترك في حدودها مع 7 دول أفريقية، مما يجعلها ممراً للمهاجرين المتجهين إلى أوروبا، عبر كل من الجزائر وليبيا.

5- رفع العقوبات لاعتبارات إنسانية واقتصادية: حاولت “إيكواس” إضفاء طابع إنساني على قرارها برفع العقوبات عن النيجر، فبحسب ما صرح به رئيس مفوضية المجموعة، عمر توراي، بعد قمة 24 فبراير الجاري، فإن رفع العقوبات جاء بناءً على “اعتبارات إنسانية”، حيث يُمكن للنيجر “الوصول إلى حساباتها في البنك المركزي الإقليمي بأثر فوري”.

إلا أن الأسباب الاقتصادية، والمالية خصوصاً، بالنسبة إلى الدول الأعضاء في “إيكواس”، لم تغب عن حسابات قادة المجموعة، ففي حالة انسحاب الدول الثلاث من المجموعة، وهي دول تعتمد على موانئ دول “إيكواس” في حركة تجارتها الخارجية، من منظور أنها دول حبيسة، سوف تتأثر الحركة التجارية للمجموعة بشكل سلبي، خاصةً أن الانسحاب سوف يؤدي إلى انفصال البنوك المركزية للدول الثلاث عن البنك المركزي الإقليمي التابع لـ”إيكواس”، مما يُمكن أن يؤدي إلى إحداث أزمة مالية شديدة في دول المجموعة ككل.

مقاربة مختلفة

في هذا السياق، يُمكن القول إن رفع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” العقوبات عن النيجر، وإن كان يستند إلى دوافع متعددة، ما بين الإنسانية والاقتصادية والجيوسياسية؛ إلا أن مثل هذا القرار، في الوقت نفسه، لن يجعل النيجر ومالي وبوركينافاسو تعدل عن قرارها بالانسحاب من المجموعة بسهولة.

يأتي هذا اعتماداً على أن الدول الثلاث حاولت إثبات فشل سياسة العقوبات وتجميد المساعدات، فضلاً عن كونها تحاول أن تخرج من العباءة الفرنسية، والأوروبية عموماً، التي لا تزال سياسة “إيكواس” مُتأثرة بها. وبالتالي، يبدو أن قرار رفع العقوبات، والدعوة إلى المصالحة داخل “إيكواس” مع الدول التي تحكمها أنظمة عسكرية، يُمكن أن يُمثل “فرصة جديدة” أو “تناولاً مختلفاً” بالأحرى للدول الأعضاء في بناء علاقات مختلفة عما كانت عليه من قبل.