خفض التكلفة:
دلالات زيارة وزير الخارجية الأمريكي “غير المعلنة” للعراق

خفض التكلفة:

دلالات زيارة وزير الخارجية الأمريكي “غير المعلنة” للعراق



أجرى وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، زيارة غير معلنة إلى العراق في 5 نوفمبر الحالي، خلال جولته الأخيرة بالمنطقة، في محاولة لتهدئة التوترات المشتعلة بها في أعقاب العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بعد عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها حركة حماس في 7 أكتوبر الفائت. وقد تلقّى بلينكن إحاطة أمنية حول التهديدات الذي تتعرض لها المرافق العسكرية والدبلوماسية الأمريكية في العراق قبل أن يتوجه إلى لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

وقد خضعت الزيارة القصيرة لوزير الخارجية الأمريكي للعراق لإجراءات أمنية مشددة مع تصاعد تهديدات المليشيات الشيعية الموالية لإيران للأمريكيين والقوات والقواعد العسكرية الأمريكية بالعراق، بسبب دعم الولايات المتحدة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. فقد أصدر المتحدث باسم كتائب حزب الله العراق بياناً حذر من أن “بلينكن غير مرحب به في العراق”، وقال إنه “إذا جاء، فسيواجه تصعيداً غير مسبوق”.

دوافع عديدة

دفع عدد من التطورات وزير الخارجية الأمريكي إلى إجراء زيارته غير المعلن عنها للعراق، والتي تتمثل فيما يلي:

1- زيادة الهجمات ضد القوات الأمريكية بالعراق: مع استمرار التأييد الأمريكي المعلن للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، صعّدت المليشيات الموالية لإيران في العراق من هجماتها المسلحة ضد القوات الأمريكية في العراق وسوريا. فقد تعرضت القوات الأمريكية في العراق وسوريا لما يقرب من ٣٨ هجوماً بطائرات بدون طيار أو صواريخ من قبل جماعات مدعومة من إيران منذ ١٧ أكتوبر الفائت، وفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في ٦ نوفمبر الجاري.

وقد أدت الهجمات إلى إصابة ٤٦ عسكرياً أمريكياً (٣٢ إصابة طفيفة للأمريكيين في سوريا، و١٤ إصابة طفيفة للأمريكيين في العراق)، وهي أكثر من ضعف الإصابات التي تم الإبلاغ عنها سابقاً، وفقاً للأرقام التي قدمها المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، بات رايدر.

وهناك مخاوف أمريكية من تكثيف المليشيات المسلحة الموالية لإيران من هجماتها بالطائرات بدون طيار ضد القوات الأمريكية في المنطقة، حيث تسعى طهران للاستفادة من الغضب الرسمي والشعبي للدعم الأمريكي للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة لمزيد من الضغط على الولايات المتحدة في وقت تشهد فيه العلاقات بينهما توتراً مع ضغوط أمريكية داخلية على الإدارة الأمريكية لإحداث تحولات في سياستها تجاه طهران.

2- تحول في نهج استهداف الأمريكيين: هناك تخوفات أمريكية من أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة إلى أن تجري المليشيات الموالية لإيران تغييراً في نهجها تجاه استهداف القواعد العسكرية الأمريكية، عبر محاولة أخذ جنود أمريكيين كرهائن، وكذلك محاولات قتل جنود أو دبلوماسيين أمريكيين في بعض الدول.

3- تصاعد الاحتجاجات العراقية ضد الوجود الأمريكي: تتصاعد الدعوات السياسية بضرورة غلق السفارة الأمريكية في بغداد وطرد السفيرة الأمريكية لدى العراق، آلينا رومانوسكي، على غرار دعوة زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، والتي تلقفتها قوى محلية مسلحة، وهو الأمر الذي يُثير الهواجس من احتمالات تعرض السفارة الأمريكية في بغداد لأعمال عنف. ومع زيارة بلينكن لبغداد، خرجت مظاهرات معارضة لتلك الزيارة، حيث ندّد المتظاهرون بالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل.

رسائل مختلفة

حملت زيارة وزير الخارجية الأمريكي للعراق رسائل عديدة يأتي في مقدمتها ما يلي:

1- تأكيد أهمية حماية الأمريكيين بالعراق: تضمنت زيارة بلينكن للعراق تأكيدات على أن هجمات المليشيات المدعومة من إيران ضد الأمريكيين غير مقبولة، وأن الولايات المتحدة “ستفعل ما هو ضروري لحماية مواطنيها ومنشآتها العسكرية بالعراق”. فقد قال بلينكن في خطاب قصير بمطار بغداد: “كان من المهم إرسال رسالة واضحة إلى أي شخص قد يسعى إلى الاستفادة من الصراع في غزة لتهديد موظفينا هنا أو في أي مكان آخر في المنطقة: لا تفعل ذلك”.

وقد سبق أن حذر وزير الدفاع لويد أوستن من أن الولايات المتحدة لن تتردد في التحرك عسكرياً ضد أي منظمة أو دولة تسعى إلى توسيع النزاع في الشرق الأوسط بين إسرائيل وحركة حماس، حيث قال خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ لطلب الدعم المالي لإسرائيل وأوكرانيا، أنه إذا استمرت الجماعات المدعومة من إيران في مهاجمة القوات الأمريكية، فلن يتردد الجيش الأمريكي في اتخاذ مزيد من الإجراءات الضرورية في المنطقة. وبالفعل شنت الطائرات المقاتلة الأمريكية غارات جوية، في ٢٧ أكتوبر الفائت، على موقعين في شرق سوريا مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني في أعقاب سلسلة من الهجمات ضد القوات الأمريكية في المنطقة.

2- منع توسّع الحرب الإسرائيلية في غزة: هناك مخاوف أمريكية من تحول الحرب الإسرائيلية في غزة إلى حرب إقليمية، مع تزايد انخراط وكلاء إيران بالشرق الأوسط في تلك الحرب. ولذلك، هدفت زيارة بلينكن للعراق إلى احتواء تداعيات الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، وردع إيران ووكلائها، ولا سيما حزب الله اللبناني، الذي يُسيطر على مناطق على طول الحدود الشمالية لإسرائيل، عن الانخراط في تلك الحرب.

ومنذ اليوم الأول لبداية العمليات العسكرية الإسرائيلية، اتخذت الولايات المتحدة العديد من الخطوات لمنع توسع الحرب الإسرائيلية إلى حرب إقليمية، والتي تنوعت بين تحريك قطع عسكرية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وزيادة قواتها العسكرية وأنظمتها الدفاعية في المنطقة. ويقول المسئولون الأمريكيون إن إدارة بايدن أرسلت أيضاً رسائل إلى إيران وحزب الله، من خلال شركاء الولايات المتحدة الإقليميين بما في ذلك تركيا، بأن واشنطن مستعدة للتدخل عسكرياً ضدهم إذا شنوا هجمات ضد إسرائيل.

3- تحولات في الموقف تجاه الأزمة الإنسانية بالقطاع: يشهد الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل منذ بداية العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، تحولاً وإن كانت بطيئاً مع ارتفاع التكلفة الإنسانية لها، والضغوط الداخلية الأمريكية، بأن أضحى أكثر اهتماماً بإدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة. فقد كان الوضع الإنساني المتدهور في القطاع على أجندة لقاء بلينكن والسوداني، حيث كشف بيان وزارة الخارجية الأمريكية أنه ناقش الوضع الإنساني في غزة، والالتزام الأمريكي المستمر بالتنسيق مع العراق وشركاء الولايات المتحدة الآخرين في المنطقة لضمان الوصول المستمر والآمن للغذاء والماء والرعاية الطبية، وغيرها من المساعدات المطلوبة لتلبية الاحتياجات الإنسانية لسكان قطاع غزة. وقد تطرق النقاش أيضاً إلى ضرورة ضمان عدم إجبار الفلسطينيين على مغادرة قطاع غزة بشكل قسري.

خيارات محدودة

مع عودة أهمية منطقة الشرق الأوسط إلى الأجندة الأمريكية بعد سنوات من التجاهل، ولا سيما في أعقاب الحرب الروسية-الأوكرانية، المستمرة منذ ٢٤ فبراير ٢٠٢٢، وما تبعها من ارتفاع في أسعار النفط والغاز الطبيعي، تحاول الإدارة الأمريكية الموازنة بين دعمها القوي للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر الماضي، ومطالب حلفائها وشركائها في الشرق الأوسط الذين يدعون إلى وقف القتال وضرورة ادخال المساعدات الإنسانية إلى سكان القطاع، وتهدئة التوترات التي تُسببها العمليات العسكرية الإسرائيلية مع ارتفاع تكلفتها الإنسانية التي قد تجر المنطقة إلى حرب إقليمية تعرض الأمريكيين والقوات الأمريكية المتواجدة بالمنطقة للخطر.

وفي هذا السياق، تواجه إدارة الرئيس جو بايدن معضلة متزايدة في منطقة الشرق الأوسط مع استمرار ارتفاع عدد القتلى المدنيين في غزة جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية، مما يؤجج الاستياء في جميع أنحاء المنطقة، حيث يتم توجيه الكثير من الغضب إلى الولايات المتحدة لدعمها لإسرائيل حتى في الوقت الذي يحاول فيه المسئولون الأمريكيون المساهمة في إدخال المساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها إلى قطاع غزة.