أزمة متجددة:
دلالات تصاعد الصراع حول “رأس جدير” غرب ليبيا

أزمة متجددة:

دلالات تصاعد الصراع حول “رأس جدير” غرب ليبيا



تُنذر الأوضاع في ليبيا باندلاع أزمة سياسية وأمنية في غرب البلاد، في ظل توترات بشأن معبر “رأس جدير” الحدودي بين ليبيا وتونس؛ حيث عاد المعبر إلى واجهة الأحداث بعد احتدام الخلاف بين حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة، وبين المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، الذي يُشرف على إدارة المعبر عبر قوة تتبع المجلس العسكري لمدينة زوارة الأمازيغية الساحلية في غرب ليبيا.

وقد اتهم المجلس، في بيان له في 18 نوفمبر الجاري، عبد الحميد الدبيبة بـ”جمع التشكيلات المسلحة بهدف الهجوم على معبر رأس جدير الحدودي مع تونس”؛ بما يُشير إلى عددٍ من الدوافع التي تزيد الصراع حول المعبر، يأتي في مقدمتها محاولة حكومة الدبيبة إدارة المعبر من خلال تشكيل غرفة عمليات مشتركة، كاتجاه من الدبيبة لاختبار التوازنات السياسية والميدانية القائمة، منذ أزمة عام 2011.

إضافة إلى ذلك، محاولة منع أمازيغ ليبيا من الانفراد بإدارة المعبر، وهو ما أدى بهم إلى رد فعل حاد وغاضب على استمرار محاولات تهميشهم، بل وتحذير الدبيبة من إمكانية اندلاع “حرب” في المنطقة الغربية، هذا فضلاً عن التحالف الحديث الذي نشأ مؤخراً بين المشير خليفة حفتر وبين القائد العسكري البارز في غرب ليبيا أسامة الجويلي، وهو التحالف الذي يُثير قدراً كبيراً من مخاوف حكومة الدبيبة من عدم إحكام السيطرة على غرب البلاد، بما في ذلك المناطق والمدن الأمازيغية.

دوافع متعددة

تتعدد الدوافع التي يمكن من خلالها تفسير تنامي الصراع حول معبر رأس جدير الحدودي، ويتمثل أهمها فيما يلي:

1- تشكيل “غرفة عمليات مشتركة” لإدارة المعبر: بناءً على قرار الدبيبة، تم الدفع بالقوات الأمنية والعسكرية للسيطرة على المعبر وإدارته، واستعادته من قبضة مدينة زوارة؛ إلا أن المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا أشار – في بيان له – إلى أن الدبيبة “يجمع المليشيات المسلحة بهدف الهجوم على معبر رأس جدير، بحجج واهية وكيدية”؛ مُعتبراً أن “ما يحدث ليس القصد منه بناء الدولة، بل هو استغلال للسلطات لممارسة العنصرية، وكسر التوازنات في منطقة الساحل”.

ومع احتدام الخلاف حول تشكيل الغرفة الأمنية، والرد الغاضب من مجلس الأمازيغ، ورفض وجود أي قوة مسلحة من خارج مدينة زوارة، تراجعت قوات غرفة العمليات المشتركة “إلى مواقعها في مدينة زليطن، بناءً على أوامر المجلس الرئاسي الليبي”؛ وفق ما أعلنه المتحدث باسم الغرفة.

2- اختبار التوازنات السياسية والميدانية منذ 2011: يأتي هذا الاختبار من جانب الدبيبة، وحكومة غرب ليبيا، في إطار محاولة فرض السيطرة العسكرية على كامل مناطق غرب البلاد، ومن بينها مناطق تواجد الأمازيغ في زوارة وغدامس. إلا أن احتدام الخلاف بين الدبيبة والأمازيغ حول إدارة المعبر دفع المجلس الأعلى للأمازيغ في بيان نشرته بلدية زوارة، إلى تهديد “كل من يحاول الهجوم على زوارة أو المدن التابعة لها، بحرب شعواء لن تنتهي إلا بإنهاء وجود الأمازيغ”.

ويبدو هذا التهديد الصريح بالحرب، من جانب الأمازيغ، استمراراً لرفض سياسة الإقصاء والمُطالبة بفرض هويتهم، وتثبيتها في الدستور الليبي، بعد انخراطهم، منذ 2011، في تحالف قادته مدينة صبراتة للإطاحة بنظام الرئيس الأسبق معمر القذافي، الذي كان يُنكر وجود أعراق أخرى في ليبيا. ولذا، اختار الأمازيغ الرد على الدبيبة بتحذيرات صارمة، التف حولها كل مكوناتهم في غرب البلاد.

3- محاولة الدبيبة منع الأمازيغ من إدارة المعبر: تتبنى أطراف داخل حكومة الوحدة الوطنية، في العاصمة طرابلس، فكرة “حسم الموقف” مع الأمازيغ، كنوع من السيطرة الأمنية والعسكرية على غرب البلاد. وكما يبدو، يأتي حسم الموقف من خلال منع الأمازيغ من التفرد بالسيطرة الأمنية على معبر رأس جدير، وكذلك على معبر ذهيبة وازن، وهما المعبران الحدوديان بين ليبيا وتونس.

وقد تمثل رد الفعل المُفاجئ من جانب الأمازيغ في اتفاق مكونات المدن الأمازيغية على إعلان حالة الطوارئ بين كافة التشكيلات العسكرية التابعة لها، وهو ما خلص إليه اجتماع عقدته هذه المكونات، في قصر الضيافة بمدينة زوارة. وبالفعل تمركزت قوات الأمازيغ على طول منطقة طوق مدينة زوارة، من مليته شرقاً إلى رأس جدير غرباً؛ بل وبحسب ما أعلنت “قناة الأمازيغ”، فإن كلاً من “قادة الكتائب والسرايا تؤيد الحرب”، وأن “قوات الغرفة العسكرية زوارة يسيطرون عسكرياً وبشكل تام على قرية رأس جدير”.

ومثل هذه التطورات كان يمكن أن تؤدي إلى اشتعال “حرب” في غرب ليبيا، لولا تدخل المجلس الرئاسي الليبي، وتراجع غرفة العمليات التي شكلها الدبيبة إلى مواقعها في مدينة زليطن.

4- التحالف بين خليفة حفتر وأسامة الجويلي: يأتي هذا التحالف بين قائد الجيش الليبي والقائد العسكري البارز في غرب ليبيا ضمن ما يمكن تسميته بـ”المسكوت عنه” في أسباب التوتر بين عبد الحميد الدبيبة والمكون الأمازيغي؛ حيث يُثير هذا التحالف مخاوف حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية من إمكانية فقدان السيطرة على بعض المواقع في غرب البلاد، بما في ذلك مناطق الأمازيغ.

واللافت في هذا السياق هو خشية الأمازيغ من استغلال الدبيبة إحكام السيطرة على المنطقة الغربية، بما فيها المناطق الخاصة بهم، لأجل تصفية حسابات قديمة، ومحاولة تهميشهم؛ خاصة أن تفردهم بإدارة معبر رأس جدير قد أعطاهم مكانة متميزة في الغرب الليبي، لما لهذا المعبر من أهمية، وما يُمثله من بُعد استراتيجي، من خلال ما يُسهم به في تنشيط حركة العبور والتبادل التجاري بين ليبيا وتونس.

تداعيات سلبية

في هذا السياق، يُمكن القول إن أية محاولة من جانب حكومة الدبيبة لإزاحة القوات الأمازيغية المسلحة من معبر رأس جدير يُمكن أن تدفع إلى مواجهات عسكرية مفتوحة على كافة الاحتمالات؛ خاصة في ظل إصرار المكون الأمازيغي على إثبات الوجود، بعد تعرضه طويلاً للتهميش والإقصاء خلال فترة حكم القذافي التي امتدت أربعين سنة.

والمُلاحظ أن الخلاف بين الأمازيغ والدبيبة، الذي يمكن أن يعود بالمنطقة الغربية إلى مربع العنف والفوضى، نتيجة التحالفات المتقاطعة الموجودة هناك؛ يُعبر عن “حالة فوضى” تنتاب البلاد عموماً، ومنطقة الغرب بشكل خاص، وهو ما ساعد التشكيلات العسكرية في التحكم بالمنافذ والمعابر وغيرها، والتي من المفترض أن تخضع جميعها لسيطرة الدولة، والحكومة التي تُمثل هذه الدولة.