مصالح متبادَلة:
دلالات انعقاد القمة الأفريقية-الإيطالية

مصالح متبادَلة:

دلالات انعقاد القمة الأفريقية-الإيطالية



انتهت فعاليات القمة الأفريقية-الإيطالية التي استضافتها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال الفترة من 28 وحتى 29 يناير 2024، بمشاركة نحو 23 رئيس دولة وحكومة أفريقية، و57 وفداً دولياً، وممثلين من الاتحاد الأوروبي، والمنظمات الإقليمية والمؤسسات المتعددة الأطراف العاملة في القارة.

وناقشت القمة العديد من القضايا المشتركة، وخاصةً المتعلقة بكيفية تعزيز العلاقات بين القارة الأفريقية وإيطاليا، إلى جانب الملفات التي تهم الأمن الغذائي وأمن الطاقة والمناخ. كما تحولت قضية الهجرة غير الشرعية، التي تثير قلق روما، إلى محور رئيسي في جلسات القمة. وبالرغم مما تشهده أفريقيا من اضطرابات سياسية، فإن روما تُبدي حرصاً لافتاً على الانخراط في أزماتها، للحد من ارتداداتها العكسية على الأمن القومي الأوروبي عموماً، والأمن الإيطالي بصفة خاصة.

توقيت لافت

جاءت القمة الأفريقية-الإيطالية وسط جملة من المتغيرات الإقليمية التي مثلت محفزاً لدعم التقارب بين إيطاليا ودول القارة، وهو ما يمكن بيانه كالتالي:

1- زيادة الدعم المالي لأفريقيا: تزامنت القمة مع اعتماد الحكومة الإيطالية ما عُرف بـ”خطة ماتي” (Mattei Plan) التي تستهدف تطوير التعاون الإيطالي مع القارة الأفريقية في مجموعة من القضايا الشائكة. ورصدت حكومة ميلوني لهذه الخطة مخصصات مالية بقيمة 5.5 مليارات يورو، بالإضافة إلى التعهّد بدعم الاستثمارات الإيطالية في المشاريع الأفريقية التي تعزز حالة الاستقرار في القارة. وتجدر الإشارة إلى أن رئيسة وزراء إيطاليا كانت قد كشفت في تصريحات لها خلال يناير الماضي، عن أن خطة “ماتي” تعكس رغبة إيطاليا في المساهمة في خلق نموذج قادر على التعاون مع الدول الأفريقية.

2- تفاقم أزمة الهجرة غير الشرعية: جاءت القمة الأفريقية-الإيطالية في ظل تفاقم الهجرة غير الشرعية من القارة الأفريقية إلى إيطاليا، وهو ما يُمثل مصدر قلق كبيراً للأخيرة، في ضوء الارتفاع المستمر في عدد المهاجرين الذين يحاولون دخول أراضيها بطرق غير قانونية عبر سواحل البحر المتوسط.

وتعتبر إيطاليا الأكثر تضرراً من عمليات الهجرة غير الشرعية القادمة من أفريقيا، فوفقاً لبيان وزارة الداخلية الإيطالية في سبتمبر 2023، وصل إلى إيطاليا بحراً حتى يوم 23 أغسطس الماضي، 105 آلاف و909 مهاجرين، وهو مستوى لم تشهده إيطاليا منذ عام 2015، وذلك بسبب عدة عوامل، منها: الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول الساحل والصحراء في العام الماضي، وتصاعد حدة الضغوط الاقتصادية، وتدهور الأوضاع الأمنية الناجمة عن استمرار الصراعات الداخلية في العديد من دول القارة.

3- البحث عن بدائل آمنة لموارد الطاقة: عُقدت القمة في ظل مساعي روما المستمرة للبحث عن بدائل لسد احتياجاتها من الطاقة، حيث تستورد ما يقرب من 90% من احتياجاتها من الغاز، منها حوالي 45% من روسيا، ومن جانب واسع من دول الشرق الأوسط، ومنها الجزائر وليبيا.

لكن مع اندلاع الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، وتصاعد الهجمات الحوثية على الناقلات التي تمر بالبحر الأحمر، فضلاً عن استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية، وتوجه واشنطن وحلفائها الأوروبيين نحو محاصرة قطاع النفط الروسي، باتت بعض دول القارة الأفريقية توفر فرصة لتعويض النقص الحادث في واردات إيطاليا من الطاقة.

فعلى سبيل المثال، تحتوي الجزائر وليبيا ونيجيريا وموزمبيق على مخزون هائل من مكامن الطاقة، وهو ما يمكن أن يسمح لروما باحتواء النقص الحادث في وارداتها من الطاقة من الشرق الأوسط، أو التخلص من اعتمادها على الغاز الروسي. وتجدر الإشارة إلى زيارة ميلوني خلال الشهور الماضية إلى ليبيا والجزائر، فضلاً عن رعايتها القمة الإيطالية-الأفريقية، وهو ما يُشير إلى رغبة روما في زيادة حجم وارداتها من الطاقة من القارة الأفريقية.

4- الانخراط “الإيجابي” في أزمات القارة: حرصت روما على تبني سياسة متوازنة في التعامل مع الأزمات التي تشهدها القارة الأفريقية. إذ أنها عارضت الانقلابات التي شهدتها النيجر والجابون في عام 2023، وبوركينافاسو في عام 2022؛ كما أكدت على ضرورة الحل السلمي للأزمات. فعلى سبيل المثال، عرقلت روما التدخل العسكري الذي طرحته منظمة “إيكواس” في النيجر، كما أبدت دعمها للجهود الأممية الراهنة، والتي تستهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا.

وبالتوازي مع ذلك، سعت روما إلى ممارسة دور محوري في الجهود التي تبذل من أجل مكافحة الإرهاب في أفريقيا. فعلى سبيل المثال، قدمت الحكومة الإيطالية دعماً عسكرياً للجيش الصومالي لمواصلة حربه ضد حركة “شباب المجاهدين”، بالإضافة إلى محاولاتها توسيع نطاق المشاركة في الجهود الأوروبية لمكافحة الإرهاب بالقارة، حيث تعهدت ميلوني في وقت سابق بتقديم الدعم للحكومات الأفريقية لمواجهة الإرهاب.

أهداف رئيسية

استهدفت القمة الإيطالية-الأفريقية تحقيق أهداف رئيسية أربعة: أولها، تطوير العلاقات الاقتصادية، حيث مثل البعد الاقتصادي أحد محاور القمة، وظهر ذلك في تعهد روما بتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي مع دول القارة، سواء بإعفاء بعض دول القارة من ديون مستحقة، أو توفير بيئة خصبة لعمل الشركات الإيطالية في الأسواق الأفريقية.

وثانيها، ترسيخ الحضور الإيطالي في أفريقيا، حيث توازت القمة مع الجهود التي أطلقتها روما خلال العامين الماضيين لتعزيز حضورها في القارة الأفريقية، وهو ما انعكس في زيارة جورجيا ميلوني خلال العام الماضي إلى الجزائر وليبيا، فضلاً عن زيارات متتالية لمسئولي الحكومة الإيطالية إلى دول القارة طوال الفترة الماضية.

وزاد حرص إيطاليا على دعم نفوذها في أفريقيا مع تصاعد الرفض للوجود الفرنسي في بعض دول القارة، وانسحاب القوات العسكرية الفرنسية من دول الساحل والصحراء، وهو ما مثّل فرصة إيجابية لروما لملء الفراغ الناتج عن الانسحاب الفرنسي من هذه المناطق.

وثالثها، تأمين المصالح الإيطالية في القارة الأفريقية، وبدا ذلك في سعي حكومة ميلوني لتعزيز نفوذها في دول مثل الصومال وموزمبيق، حيث تمتلك شركة “إيني” الإيطالية استثمارات ضخمة في حقول الغاز الموجودة في عدد من الدول الأفريقية.

ورابعها، توظيف القمة لمنافسة الخصوم الدوليين في أفريقيا، ومنهم فرنسا والصين وروسيا. وهنا، يمكن فهم مساعي روما للعمل على تحقيق الاستقرار في بعض دول القارة، وذلك لمواجهة نفوذ الخصوم.

ختاماً، يمكن القول إن القمة الإيطالية-الأفريقية تُعد فرصة لدفع العلاقات بين إيطاليا والدول الأفريقية، وتحقيق مصالح متبادلة. فبينما تبدو روما في حاجة لدعم الاستقرار في أفريقيا للحد من التداعيات العكسية التي تفرضها عمليات الهجرة غير النظامية، فضلاً عن تأمين بدائل جديدة لاحتياجاتها من الطاقة، حيث تحظى هذه الملفات بأولوية لدى حكومة ميلوني؛ فإن دول القارة على الجانب الآخر في حاجة إلى الاستثمارات الإيطالية في مجال البنية التحتية، وكذلك الدعم الإيطالي في مكافحة الإرهاب.