خمسون عاماً من الوحدة – الحائط العربي
خمسون عاماً من الوحدة

خمسون عاماً من الوحدة



احتفلت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ أيام باليوبيل الذهبي لتأسيسها، وهي مناسبة عزيزة على كل عربي يؤمن بالرابطة العربية ويحلم بتجسيدها في شكل وحدوي. وليس الاعتزاز بالتجربة الوحدوية لدولة الإمارات نابعاً من اعتبارات عاطفية فحسب، وإنما هو يرجع أيضاً إلى اعتبارات موضوعية تتعلق بقيمة هذه التجربة ودروسها بالنسبة للعمل الوحدوي العربي الذي كثرت عثراته وقلت إنجازاته. 

وبدايةً، من الضروري تحديد المقصود هنا بالتجارب الوحدوية، وهي تنصرف حصراً إلى تلك التي يترتب عليها تمتع الكيان الوحدوي بشخصية دولية واحدة، بحيث تنتفي هذه الشخصية للوحدات الداخلة فيها. وعلى هذا الأساس لا نجد بين التجارب الوحدوية العربية المعاصرة سوى ثلاث تنطبق عليها هذه الصفة، وهي الوحدة المصرية السورية (1958-1961) ودولة الإمارات (1971) والجمهورية اليمنية (1990)، ونلاحظ العمر القصير للوحدة المصرية السورية التي لم تكمل سنتها الرابعة، والمشكلات التي عانت منها دولة الوحدة اليمنية منذ بدايتها، إلى أن تفاقمت في صورة صدام مسلح بين شطري اليمن عام 1994، انتهى بانتصار الحكومة المركزية التي بدأت بعده في ممارسات تظلَّم منها مواطنو الجنوب فنشأ «الحراك الجنوبي» الذي بدأ حركة مطلبية وانتهى إلى المطالبة بفصم الوحدة والعودة للأوضاع السابقة عليها. وكان ثمة أمل عقب الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في فبراير2011 أن تكون سبيلاً لاستعادة التماسك إلى دولة الوحدة، خاصة بعد مؤتمر الحوار الوطني الذي قرر الانتقال إلى الصيغة الفيدرالية، لكن ذلك لم يكن موضع قبول كافة مواطني الجنوب، ناهيك عن أن الانقلاب الحوثي في سبتمبر2014 أعاد الأمور إلى نقطة الصفر. وتعيش دولة الوحدة اليمنية حالياً حالة من الانقسام الفعلي.

في هذا المناخ العربي الذي حُصِرت فيه التجارب الوحدوية في ثلاث لم تكمل أولاها الأربع سنين، وعانت الثالثة منذ بدايتها وحتى الآن من عدم استقرار وصدام مسلح وانقسام فعلي، تقف التجربة الوحدوية لدولة الإمارات قويةً راسخةً، بما يدفع إلى التأمل في أسباب هذا النجاح سعياً إلى مستقبل عربي أفضل. ومن خلال دروس الخبرة الماضية لتجارب الاندماج الدولي عموماً والعمل الوحدوي العربي خصوصاً، يمكن القول بأن التجربة الوحدوية لدولة الإمارات توفر لها عاملا نجاح في منتهى الأهمية، كانا كافيين لتحقيق هذا الإنجاز الفريد عربياً، وهما القيادة الكاريزمية الواعية التي تمثلت في الشيخ زايد طيب الله ثراه، والصيغة السليمة الطوعية لدولة الاتحاد. ومعروف الدور الذي لعبه القادة في التجارب الوحدوية عبر الزمن عالمياً وعربياً. وقد آمن الشيخ زايد بأهمية الاتحاد منذ الوهلة الأولى للانسحاب البريطاني وقام بكل جهد دبلوماسي ممكن من أجل تحقيق هذه الغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك التوصلُ إلى الصيغة المثلى للوحدة، فقد حلم القوميون الرومانسيون العرب بالوحدة الاندماجية تجسيداً لحقيقة وجود أمة عربية واحدة، لكن تجربة الوحدة المصرية السورية أثبتت أن الأمة الواحدة لا تلغي واقع التنوع بين مكوناتها، وعليه فإن الصيغة الاندماجية التي تنكر على مكونات الوحدة أي حرية في إدارة شؤونها الذاتية بما يتلاءم وظروفها ليست الصيغة الملائمة لواقع التنوع بين هذه المكونات، وهنا تبرز الفيدرالية التي ابتدعها الأميركيون كصيغة مثلى للتعامل مع تنوع مكونات الوحدة، وهي للأسف صيغة نظر إليها القوميون الرومانسيون العرب باعتبارها خيانة لقضية الوحدة، وكان عدم الأخذ بها أحد أهم أسباب تفكك الوحدة المصرية السورية. لكن قادة الإمارات، وفي طليعتهم الشيخ زايد طيب الله ثراه، استوعبوا بفطرتهم الوحدوية السليمة دروس الخبرة التاريخية فحققوا مصالح شعبهم وقدموا نموذجاً يُحتذى للعمل الوحدوي العربي، فهنيئاً للإمارات وشعبها بهذه التجربة الرائدة لعلها تكون هادياً للعمل من أجل تحقيق الحلم العربي.

نقلا عن الاتحاد