تراكم مستمر:
حسابات الانفتاح العراقي على المحيط العربي

تراكم مستمر:

حسابات الانفتاح العراقي على المحيط العربي



تتنامى وتيرة الاندماج العراقي في المحيط العربي بشكل ملحوظ خلال الأعوام الأخيرة، فيما يبدو أن العراق يرسخ هذا الاتجاه الذي بدأه في السنوات الأخيرة، حيث انخرط في تشكيل الآلية الثلاثية مع مصر والأردن قبل نحو ثلاث سنوات، عززها العام الماضي (2021) بإطلاق النسخة الأولى من قمة بغداد الإقليمية بحضور عربي واسع ضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن، إلى جانب كل من إيران وتركيا. فيما أعلن العراق، في 7 ديسمبر الجاري، عن إطلاق النسخة الثانية للقمة في العاصمة الأردنية عمّان في 20 من الشهر نفسه، كما يشارك العراق في القمة العربية-الصينية التي تستضيفها السعودية الأسبوع الجاري أيضاً.

وبينما كان يُخشى أن تُمثل المتغيرات السياسية في العراق بعد تشكل حكومة محمد شياع السوداني تراجعاً في فرص الانفتاح العراقي على المحيط العربي، خاصة وأن الخطاب السياسي لرئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي تجاه إعادة اندماج العراق في محيطه العربي كان لافتاً إلى حد كبير؛ إلا أن السوداني عقب توليه منصبه يبدو أنه يسير في اتجاه تعزيز المسار ذاته، فبدأ زيارته الأولى عقب توليه رئاسة الحكومة إلى الأردن والكويت، فيما أكد في لفتة نوعية أيضاً عبر مقال كتبه في صحيفة “الشرق الأوسط” بمناسبة المشاركة في القمة العربية–الصينية، أن القمة تمثل مناسبة لمشاركة رؤية حكومته الاقتصادية الجديدة، مع إخوانه من العرب وجيرانه في الخليج.

وقبيل مشاركة السوداني في القمة العربية-الصينية، كانت عمّان قد استضافت الأربعاء (7 ديسمبر الجاري) اجتماعاً تحت مظلة الآلية الثلاثية على مستوى وزراء خارجية الأردن والعراق ومصر، أكّد خلاله وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أهميةَ دور الآلية الثلاثية العربية في الحوار والنقاش بشأن القضايا العربية والإقليمية ذات الأولوية التي تتعلق بمختلف الشئون السياسية والأمنية والاقتصادية، كما أشار إلى جدول أعمال قمة عمّان المرتقبة هذا الشهر والتي ستناقش عدة قضايا محورية تتعلق بالملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.

فرص وتحديات

في هذا السياق، من المتصور أنّ تراكم مسار الاندماج العراقي في المحيط العربي يطرح العديد من الفرص متعددة الأطراف، لكنه -في الوقت نفسه- ينطوي على جملة من التحديات. فالبنسبة للفرص، يمكن القول إنها تتمثل في:

1- تصحيح اختلال التوازن القائم: لفترة طويلة من الزمن في أعقاب سقوط النظام العراقي السابق والغزو الأمريكي عام 2003، عانى العراق من اختلالات في التوازن لصالح التقارب الإقليمي ولا سيما إيران، وربما لم يكن العراق قد بدد أزمة حرب الخليج الثانية مع جواره الخليجي، وساهمت الشكوك السياسية التبادلية بين الطرفين العراقي والعربي على خلفية التغلغل الإيراني في العراق في تعميق التباعد العراقي العربي، وبالتالي فإن تراكم هذه الآليات الثنائية ومتعددة الأطراف بين العراق ومحيطه العربي يطوي صفحة الماضي، ويُصحح مساراً ظلّ مختلاً لفترة من الزمن، ويُعيد التأسيس لعلاقة أكثر توازناً مع كافة الأطراف، وهو ما تمت الإشارة إليه بوضوح في قمة بغداد 2021، سواء من الجانب العراقي أو الجانب العربي، وحتى الأطراف الإقليمية.

ويستفيد من هذا التوازن كافة الأطراف. فعلى سبيل المثال، في الوقت الراهن يتعرض العراق لأزمة التصعيد العسكري الإيراني–التركي ضد بعض الفصائل الكردية المعارضة لطهران وأنقرة، وبالتالي يحتاج العراق لدور عربي متضامن في التأكيد على أمنه وسيادته الوطنية، دون الانخراط في سياسة المحاور أو التصعيد المضاد؛ حيث أظهرت الحكومة العراقية القدرة على احتواء الأزمة نسبياً، لكن تظل مساندة العمق العربي مهمة في هذا السياق، وهو ما شدّد عليه وزير الخارجية العراقي في عمّان لدى تناوله القمة المقبلة بقوله: “مؤتمر الشراكة والتعاون هذا انعقد أساساً لدعم العراق واستمرارية دعمه، وحينما نتحدث عن دعم العراق واستمرارية دعم العراق من قبل الدول التي تشارك في هذا المؤتمر، فهذا يعني أيضاً دعم سيادة العراق”.

2- استعادة المكانة والدور الإقليمي: لا شك أن العراق بما يمثله من ثقل عربي وإقليمي تاريخياً عانى من عبء التداعيات الداخلية والتدخلات الخارجية لفترة من الزمن، والتي انعكست على الدولة العراقية، إلا أن استضافة العراق للعديد من الفاعليات العربية والإقليمية، وتوسيع دائرة الحركة للمشاركة في القمم العربية، وغيرها من الآليات كالآلية الثلاثية، يشكل منظوراً جديداً للسياسة الخارجية العراقية التي تستهدف استعادة مكانة العراق ودوره الإقليمي، كفاعل على الساحتين.

فعلى سبيل المثال، سعى العراق من خلال توظيف علاقته الجيدة مع إيران من جهة، وتحسينها وتطويرها من جهة أخرى مع السعودية، إلى ممارسة دور في خفض مستوى التوتر بين الطرفين على الساحة اليمنية، حيث استضافت بغداد عدة اجتماعات بين الطرفين. وبغض النظر عن مدى كفاءة الآلية ومخرجاتها، فإن العراق يظل الأقدر على القيام بمثل هذه الأدوار.

كذلك، من المتصور -بحسب مراقبين- أن الانخراط المتبادل بين الطرفين بمرور الوقت سيغير من نمط الصورة الذهنية المتبادلة التي سادت بين الطرفين في الماضي، ويكسر الحواجز التي حالت دون تطبيع علاقات العراق مع محطيه العربي الذي يمثل عمقاً استراتيجياً وجيوسياسياً مهماً للعراق وللجوار العربي، وهو ما يعد قيمة مضافة لهذا التقارب، وغالباً ما يركز العراق على أهمية هذه النقطة في الخطاب السياسي، حيث يرى أن غياب التواجد العربي عن الساحة العراقية لفترة من الزمن قلص من هامش المكانة التقليدية التاريخية للعراق. وفي المقابل، عانت دول الجوار العربي هي الأخرى من تداعيات التقلبات السياسية والفوضى الأمنية التي عانى منها العراق لفترة طويلة، ومن ثم فعامل التقارب لم يكن يتوقف على الجانب العراقي فحسب وإنما على الجانب العربي أيضاً.

3- تنويع فرص الشراكة والتعاون: وذلك بين العراق ومحطيه العربي، بما لا يخل بعلاقاته الإقليمية. وبحسب ما ألمح إليه السوداني بشأن القمة الصينية–العربية، في ظل مساعي العراق لاقتناص فرص وخبرات التنمية الاقتصادية الواعدة التي يسعى إليها، في الوقت الذي يعاني من مشكلات داخلية، لا سيما وأن الحكومة الجديدة تمنح قطاع البنية التحتية والخدمات أولوية في المرحلة المقبلة، فإنه يظل بحاجة إلى تنويع بدائل الاستثمارات في هذا الجانب مع كافة الأطراف الدولية والإقليمية والعربية بشكل عام، وهو السياق ذاته الذي أكد عليه وزير الخارجية فؤاد حسين في اجتماع عمّان في دلالة على أن الملف الاقتصادي يستحوذ على أولويات هذه العلاقات، على نحو يمكن أن تساهم فيه كلٌ من الأردن ومصر التي تمتلك تجربة تنمية واعدة، وبدأت في تصدير تجاربها للمناطق التي تحتاج إلى إعادة الإعمار بعد الصراعات والأزمات.

4- تذليل العقبات التقليدية السابقة: من الملاحظ تنامي الميزان التجاري بين العراق ومحيطه العربي، خاصة بعد تذليل بعض العوائق، ومنها إغلاق الحدود في فترات سابقة. فعلى سبيل المثال، أعادت السعودية والعراق تشغيل معبر “عرعر” على الحدود المشتركة، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في رفع مستوى العلاقات بين الجانبين، وتجاوز ميزان التبادل التجاري بين الرياض وبغداد للمرة الأولى حاجز المليار دولارـ

كما تضاعف الميزان التجاري بين العراق ومصر ليتجاوز حاجز المليار ونصف المليار دولار تقريباً عام 2021 بعد أن كان دون سقف النصف مليار دولار بكثير قبل عدة سنوات. وهذه المؤشرات تكشف أيضاً عن تغير رؤى الطرفين لطبيعة العلاقات، وكيف يمكن أن يقود الاقتصاد قاطرة العلاقات وتحسينها بشكل متدرج، وهو ما ينطوي على سلوك براجماتي في إدارة العلاقات، بخلاف حسابات الأطراف السابقة التي كانت ترتكن لمقاربات سياسية مختلفة تقوم على معايير وحسابات سياسية فقط.

ويمكن القول إنه على الرغم من أن عملية الانفتاح العراقي على محيطه العربي لا تزال تسير بخطى متدرجة وحذرة؛ إلا أن مستوى الفارق بين ماضي هذه العلاقات القريب والوضع الراهن والمستقبل الذي تأمل إليه الأطراف يظل واضحاً، غير أن هناك بعض التحديات لا تزال تُلقي بظلالها على هذا المشهد، ومنها على سبيل المثال:

1- تبني سياسة الانفتاح المُدَار: وهو الانفتاح الذي تديره الحكومات بشكل مباشر وربما حصري، مما يعني أن الأمر يظل حصراً رهن السياسات الحكومية، وإن كانت هذه السياسات تعطي انطباعاً بأنه على الرغم من تغير الحكومات العراقية الثلاث الأخيرة فإنها لم تغير نهجها تجاه تعزيز مسار الانفتاح، ومع تصاعد مستوى التراكم الذي حققه هذا الاتجاه، إلا أنه سيظل رهن السياسات التي تنتهجها كل إدارة على حدة، فضلاً عن أنه محدد أيضاً بالآليات الدبلوماسية والاقتصادية، بينما لم يتم ترقية التعاون الأمني أكثر من إدارة أمن الحدود مع بعض الدول، في حين لا يشارك العراق -على سبيل المثال- في الفاعليات الأمنية والعسكرية الأوسع مثل المناورات والتمرينات العسكرية، ربما لحساسية العلاقة مع القوى الإقليمية غير العربية. ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من طي صفحة الماضي لكن لا يزال هناك إرث بحاجة إلى تراكم أكبر على صعيد تبادل الثقة بين الأطراف.

2- محدودية العوائد الاقتصادية: على الرغم من أنه يمكن رصد مدى تنامي العلاقات العراقية العربية، ولا سيما على المستوى الاقتصادي، إلا أنها لا تزال محدودة، بل يصعب مقارنتها بنظائرها الإقليمية غير العربية. فعلى سبيل المثال، تجاوز الميزان التجاري مع مصر والسعودية حاجز المليار دولار، إلا أن الميزان التجاري الرسمي مع كل من إيران وتركيا تجاوز سقف الـ10 مليارات دولار، وتسعى كلتا الدولتين إلى زيادته إلى الضعف، في حين أن مشروع إعادة إعمار العراق ما بعد هزيمة تنظيم “داعش” يمثل فرصة كبيرة للاستثمارات العربية، لكنه قد يشهد مزاحمة واضحة من الأطراف الدولية والإقليمية غير العربية.

ومن جهة أخرى، ربما يرى مراقبون أنه لا يمكن الاقتصار على العلاقات ذات البعد الاقتصادي، إذ إن حسابات العلاقات تعتمد على هيكل أوسع ومرن للمصالح المتبادلة بالمعنى الشامل فيما بين الدول.

3- الضغوط الداخلية والخارجية: لم يتحلل العراق بالكامل من سياسات الضغط الخارجي من بعض الأطراف التي تراقب حساباته تجاه الانفتاح العربي، وتسعى إلى التدخل لفرض ضوابط في سياق هذه العلاقات، حتى لا تتأثر مصالحها المباشرة في العراق. صحيح أن الخطاب السياسي العراقي يؤكد على أنه لا يريد أن يتحول إلى ساحة للتنافس أو تصفية الحسابات بين الأطراف، ومراعاة سيادته الوطنية، إلا أنه لا يمكن تجاهل أثر هذه السياسات الخارجية، فضلاً عن وجود بعض التيارات الداخلية التي تقاوم هذا التوجه، بينما هناك جهد أقل من التيارات والقوى التي يمكن أن تساند اتجاه الانفتاح العروبي.

تعزيز التقارب

في الأخير، من المتصور أن العراق ومحيطه العربي المباشر وغير المباشر بحاجة مستمرة إلى ترقية آليات العلاقات المشتركة على المستوى الثنائي والمستوى المتعدد الأطراف بشكل مرن، لإدارة الأمن الجماعي والمصالح المشتركة. لكن في إطار استعراض قائمة الفرص والتحديات، يبدو من الواضح أن هناك فرصاً أكثر، ويمكن التغلب على القيود والتحديات لصالح مكاسب وعوائد أفضل لصالح الطرفين.