مقاربة حذِرة:
جولة ليندركينج ومسارات الأزمة اليمنية

مقاربة حذِرة:

جولة ليندركينج ومسارات الأزمة اليمنية



بدأ المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن تيم ليندركينج، في 5 فبراير الجاري، جولة خليجية تشمل السعودية والإمارات وسلطنة عمان. ووفق بيان صادر عن الخارجية الأمريكية، فإن الجولة تهدف إلى مواصلة الجهود الدبلوماسية الأمريكية المنسقة مع الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين والدوليين لدفع عملية سلام شاملة في اليمن.

وتتزامن الجولة مع تنامي الحديث في الأوساط اليمنية عن قرب التوصل إلى عملية استئناف الهدنة بين الحوثيين والحكومة الشرعية في إطار جهود الوساطة التي قادتها مسقط خلال الفترة الماضية، واستجابة الرياض لهذه الجهود. إلا أن بيان الخارجية الأمريكية على هذا النحو يلفت الانتباه إلى مساعٍ أمريكية لتقديم حوافز للهدنة المرتقبة عبر حشد المزيد من المساعدات الإنسانية لليمن، على أن يرتبط ذلك بعملية تسوية سياسية تنخرط فيها أطراف الأزمة.

ويُعد الدور الأمريكي في عهد إدارة الرئيس جو بايدن أحد المحركات في مسار تحولات الأزمة اليمنية باتجاه خفض التصعيد. فعلى الرغم من عدم تقاسم المليشيا الحوثية وجهات النظر مع واشنطن، إلا أن موقف الإدارة من حيث رفع المليشيا من قوائم الإرهاب- وهى الخطوة التي اتخذتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب- واستبدال ذلك بإدراج بعض القيادات الذين يثبت تورطهم في عمليات تشكل تهديداً للأمن الأمريكي وأمن الشركاء والحلفاء الإقليميين، ثم دورها في دفع مسار الهدنة في مرحلتها السابقة (أبريل – أكتوبر 2022)، بالتوازي مع مضاعفة القيادة الوسطى الأمريكية من جهودها للحد من وصول الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين؛ قابله في الناحية الأخرى خفض المليشيا الحوثية من الخطاب المعادي للولايات المتحدة إلى حد ما، والحفاظ -في الوقت ذاته- على مرحلة الهدنة، وعلى عدم التصعيد في مواجهة الولايات المتحدة والتحالف العربي لدعم الشرعية حتى بعد عدم تجديدها، وذلك على الرغم من زيادة مستوى التصعيد على الجبهة الداخلية.

وبشكل عام، يُمكن القول إن المليشيا تبادل المواقف الأمريكية بسلوك براجماتي، قد لا يقل براجماتية عن السلوك الأمريكي، حيث لا يمكن تجاهل دافع المصلحة الأمريكية في تأمين الساحة اليمنية أو على الأقل تحييد مخاطرها بالنظر لما تُشكله من تهديد للأمن القومي والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

 فقبل نحو عقدين، تعرّضت الولايات المتحدة لإحدى أكبر الهجمات في الخارج عندما استهدفت المدمرة “يو إس إس كول” قبالة السواحل اليمنية، وحاول الحوثيون تكرار عملية هجوم مماثلة (أكتوبر 2016)، إضافة لتهديد الملاحة البحرية، وكذلك التلويح بتهديد أمن إسرائيل كأحد أدوار الوكالة التي تقوم بها المليشيا لصالح إيران، في الوقت الذي تضع فيه الولايات المتحدة أمن اسرائيل ضمن أولوياتها الرئيسية في الشرق الأوسط.

اتجاهات رئيسية

وفي هذا الإطار، من الأهمية بمكان التفرقة بين ثلاثة اتجاهات فيما يتعلق بمقاربة “الهدنة والتسوية السياسية”: الأول، تقوده واشنطن والبعثة الأممية في اليمن، ويعتبر أن الهدنة الجديدة مدخل لتهيئة الأجواء نحو حل سياسي شامل للأزمة اليمنية، وأن ذلك ممكن عبر تقديم المزيد من الحوافز الاقتصادية لأطراف الأزمة، وربطها بالحل السياسي، بالإضافة إلى تقويض أدوات الصراع كوقف عمليات تهريب الأسلحة.

والثاني، يتبناه الحوثيون وينحصر في “التهدئة مقابل الحوافز”. أما الثالث، فتنتهجه الحكومة المعترف بها دولياً، والتي ترى أن أي عملية تسوية سياسية يجب أن تتم على أرضية الاستحقاقات الثابتة المعروفة والمعلنة، والتي تعني إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب الحوثي على السلطة الشرعية، مع إدخال الحوثيين كشريك في السلطة.

مواقف متعددة

وفي واقع الأمر، ينطوي كل اتجاه من الاتجاهات الثلاثة على تحديات عديدة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الوصول إلى الهدنة الجديدة يُشكل منعطفاً في مواقف كافة الأطراف المنخرطة في الأزمة، وهو ما يمكن تناوله في سياق النقاط التالية:

1- جهود مستمرة لتسكين الأزمة: من المتصور أن الدافع الجوهري لخطة العمل الأمريكية على النحو السالف الإشارة إليه هو تحسين وضع الهدنة، بما يشكل رافعة للجهود السياسية لتسوية الأزمة. إلا أنها قدمت تلك الحوافز بشكل استباقي لم يقابَل بالحصول على ضمانات حوثية للانخراط في عملية التسوية السياسية بشكل واضح.

وكذلك لا يمكن استبعاد الموقف الإيراني من حسابات التعاطي مع هذا المسار، حيث يتماهى الموقف الحوثي مع الموقف الإيراني المعلن بأن يكون لكل خطوة استحقاقاتها، وفق ما تم الإعلان عنه خلال الزيارة التي قام بها رئيس الوفد الحوثي محمد عبد السلام إلى إيران في سبتمبر الماضي، وبما يهدف إلى تعزيز النفوذ الإيراني في اليمن من خلال الوكيل الحوثي. وبالتالي فإن جهود واشنطن قد تسفر عن خفض التصعيد في حال استئناف الهدنة، مع تحسن الأوضاع الإنسانية، إلا أنّ استثمار فائض تلك الجهود لإطلاق عملية تسوية سياسية منتجة يظلّ محل شك.

2-الرهان على إضعاف المليشيا: من المؤكّد أن التحالف لا يثق في المليشيا الحوثية. ومع ذلك، فإن الرسائل التي تمرر في هذا السياق من جانب التحالف هي الحرص على التهدئة والاستقرار في اليمن، بالإضافة لاختبار جديد للموقف الإيراني، حيث يؤخذ في الاعتبار الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى العراق مؤخراً، في الوقت الذي يسعى فيه العراق إلى لعب دور وساطة في العلاقة بين الرياض وطهران، على الرغم من عدم وضوح مدى الاستجابة الإيرانية للوساطة العراقية. وثمة رهان آخر على أن يؤدي تقويض حركة تهريب الأسلحة إلى اليمن، إلى إضعاف المليشيا عسكرياً، مما قد يشكل دافعاً لتغير موقفها مستقبلاً.

3- مأزق التناقض في السياسات: على الرغم من أن الحكومة الشرعية أدرجت المليشيا الحوثية كحركة إرهابية، ولا تزال تدعو القوى الدولية إلى أن تحذو حذوها؛ إلا أنها أصبحت مضطرة للانخراط في عملية الهدنة مع المليشيا، وهو ما يعكس نوعاً من التناقض السياسي، مع الأخذ في الاعتبار أيضاً تنامي التصريحات من جانب الحكومة حول الثوابت الخاصة بالعملية السياسية، وقد يكون ذلك مؤشراً على أن هناك ضغوطاً خارجية لتغيير هذا الموقف، في حال طرح خريطة طريق لعملية التسوية السياسية.

4- السعي للحصول على مكاسب خاصة: تروج المليشيا الحوثية دعائياً إلى أن العودة إلى الهدنة قد يمثل نوعاً من الانتصار السياسي لها في مقابل الحكومة الشرعية، وأنها تدافع عن حقوق اليمنيين، على الرغم من أنها تعمل على العكس من ذلك. فعلى سبيل المثال، مع تقدم المفاوضات بشأن مسألة الرواتب، أطاحت المليشيا بالآلاف من عناصر الشرطة غير الموالية لها.لكن من المتصور أن الرهان على المكاسب بدون تكلفة لن يكون في صالح المليشيا، ففي الأخير من يقرر تقديم الحوافز يمكنه منعها إذا لم يكن هناك مقابل جدي لها.

اختبار صعب

إجمالاً، من المتصور أن زيارة المبعوث الأمريكي إلى الخليج تتعاطى مع مسار التقدم في عملية استئناف التهدئة والعودة إلى الهدنة في اليمن لإفساح الطريق لعملية سياسية. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد قالت في بيانها أن الهدنة التي تقودها الأمم المتحدة وفترة الهدوء التي أعقبتها أدت إلى استمرار الفوائد الملموسة المنقذة لحياة اليمنيين بما في ذلك تقليل القتال والخسائر المدنية والرحلات التجارية المنتظمة واستمرار تدفق الوقود. ومع ذلك، قد لا يكون الرهان الأمريكي مضموناً في سياق التجربة الحوثية مع مسار التسوية في اليمن بشكل عام، في ظل ارتباط حسابات المليشيا بمصالح إيران وخلافاتها مع الولايات المتحدة والعديد من القوى الإقليمية والدولية الأخرى.