ثمن سياسي:
تداعيات محاكمة “أبو عجيلة” في الولايات المتحدة على ليبيا

ثمن سياسي:

تداعيات محاكمة “أبو عجيلة” في الولايات المتحدة على ليبيا



أثارت قضية إلقاء القبض على أبو عجيلة مسعود المريمي، المسئول في جهاز استخبارات النظام الليبي السابق، وتسليمه للولايات المتحدة لمحاكمته في قضية لوكيربي؛ جدلاً واسعاً في ليبيا خلال المرحلة الحالية، بما تشكله من تداعيات متعددة. ويرجح العديد من الساسة والمراقبين الليبيين، أن حكومة الوحدة الوطنية–المنتهية الولاية- برئاسة عبدالحميد الدبيبة هي التي تقف وراء عملية القبض على أبو عجيلة وتسليمه للولايات المتحدة بهدف الحصول على دعم سياسي للبقاء أكثر فترة ممكنة في السلطة، كما يعتقد أن رد فعل الحكومة المتمثل في تجاهل المواقف الداخلية يضعف موقفها السياسي، ويقلل بالتبعية من المكاسب التي كان يمكنها الحصول عليها جراء الإقدام على تلك الخطوة.

وتعترض العديد من القوى السياسية والمدنية على تلك العملية، بالنظر إلى العديد من الدوافع، منها أنها تُعيد فتح ملف تم إغلاقه وتسويته في عهد النظام السابق الذي اعترف بالمسئولية عن حادثة طائرة “بان أمريكان” التي سقطت فوق أسكتلندا عام 1988، وهو ما يعني أن ليبيا قد تدفع الثمن مرة ثانية، خاصة وأن الطائرة تعود إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أن أغلب ضحايا الحادث (260 شخصاً) من الولايات المتحدة (190 أمريكياً)، بالإضافة إلى خلفية الموقف القانوني والإجرائي، الذي يعتبره الكثير من الليبيين يمثل انتهاكاً للسيادة الليبية، من حيث أن عملية التسليم تمت بشكل غير قانوني، حيث قامت مليشيا باختطافه من منزله، ومن دون العودة للسلطات القضائية، الأمر الذي دفع النائب العام الليبي الصديق الصور إلى مباشرة التحقيق في هذه الجزئية، علماً بأن الولايات المتحدة كانت قد فتحت القضية منذ عامين تقريباً.

ضغوط متعددة

رغم عدم ثبوت مسئولية حكومة الدبيبة رسمياً عن عملية تسليم أبو عجيلة إلى واشنطن، حيث لا تزال تلتزم الصمت حيال العملية ولم تصرح رسمياً بشكل قاطع إلى اليوم، إلا أن بياناً أصدرته عائلة أبو عجيلة أعلنت فيه تعرضها لضغوط من مسئولين في حكومة الدبيبة، شكّل قرينة على ضلوعها في تلك العملية، كما أدّى ظهور أبو عجيلة علانية أمام محكمة أمريكية في ولاية فرجينيا، في 12 ديسمبر الجاري، كمتهم بتصنيع القنبلة التي أدت لانفجار الطائرة، إلى تأجيج المواقف المعارضة للحكومة التي باتت في مأزق تصاعد الضغوط الداخلية، مما قد يكلفها أكثر من المكاسب التي كانت تتوقع أن تجنيها من التعاون مع واشنطن، وهو ما يمكن تناوله في سياق النقاط التالية:

1- تضييق الخناق على الحكومة: توحدت مواقف الأطراف والقوى السياسية والعديد من القوى المدنية تجاه التصعيد ضد حكومة الدبيبة، بما أصبح يشبه تكتل الخصوم. وتعددت وجهات النظر حول الدوافع ما بين عملية انتهاك السيادة الوطنية بتسليم مواطن في قضية تمت تسويتها من قبل، وما بين تجاهل الحكومة للإجراءات التي كان يفترض اتّباعها في هذا الشأن.

وفي هذا السياق، وجّه مجلس النواب تهمة “الخيانة العظمى” لرئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة لمخالفة قواعد قانون الإجراءات الجنائية (م 493) التي تحظر تسليم مواطن ليبي لدولة أجنبية. كما كشفت لجنة العدل البرلمانية أنها ستتقدم بدعوى أمام الجنائية الدولية لرفضها الأمر ذاته.

وعلى الرغم من الخلافات السياسية بين مجلسي النواب والدولة، فإن مجلس الدولة وجّه انتقادات حادة لرئيس حكومة الوحدة الوطنية واتهمه بالمسئولية عن تلك العملية، كما أكد رفضه إعادة فتح قضية تمت تسويتها باتفاق سياسي بين الحكومتين الليبية والأمريكية عام 2008.

2- تصعيد القوى المدنية ضد الدبيبة: أصدرت العديد من قوى ومنظمات المجتمع المدني الليبية بيانات تُندد بعملية تسليم أبو عجيلة، وصبّت تلك القوى غضبها على الحكومة، وتعكس بيانات تلك القوى والمنظمات مدى رفضها لمواقف الطرفين (حكومة الدبيبة والولايات المتحدة).

واللافت للانتباه في هذا السياق، هو الخلط بين قضية أبو عجيلة ومواقف تلك القوى من الوضع السياسي لحكومة الدبيبة، على خلفية حالة الانقسام السياسي الراهن في ليبيا، وتشكيك العديد من الأطراف في مدى مشروعية حكومة الوحدة، على الرغم من أنه من المتوقع أن هذا الموقف لا يصب في صالح حكومة الشرق المعينة من البرلمان بقيادة فتحي باشاغا، فالأخير اتخذ موقفاً حذراً بالمطالبة بالكشف عن التفاصيل.

3- تغير مواقف بعض الأطراف الداعمة: من اللافت أيضاً أن بعض الأطراف المساندة للدبيبة سياسياً انتقدت موقفه على خلفية الإطار القانوني وطلب الدعم من واشنطن، كموقف المفتي المعزول الصادق الغرياني الذي أشار في تصريحات إعلامية، في 14 ديسمبر الجاري، إلى أنه يعتبر أبو عجيلة مجرماً –على حد قوله– بحكم الانتماء للنظام السابق، لكن ذلك لا يبرر موقف الحكومة منه.

4- اندلاع اضطرابات أمنية محتملة: بدأت هذه الاضطرابات تلوح في ظل تعاطي حراك قبائل فزان مع هذا المشهد، حيث أمهلت حكومة الدبيبة 72 ساعة (15 ديسمبر الجاري) للإفراج عن عدد من قادة النظام السابق وعلى رأسهم عبدالله السنوسي، وتضمن البيان التهديد بالقيام بإطلاق سراح السنوسي وآخرين على طريقتهم الخاصة “سنضرب بقبضة من حديد” في إشارة إلى استخدام القوة، وهي لهجة غير مسبوقة من جانب تلك القبائل.

وبرر مراقبون هذا الموقف بأنه رد فعل متوقع من القبائل التي تعتبر أن مسئولي النظام السابق “أسرى” لدى الحكومة، في حين أن العديد منهم تمت تبرئتهم في القضايا التي يحاكمون فيها، دون أن يتم الإفراج عنهم.

السيناريو التالي

حرص خصوم الدبيبة على توظيف قضية أبو عجيلة سياسياً إلى الحد الذي أصبحت تستحوذ فيه على اهتمامات الرأي العام، مقابل تراجع الاهتمام السياسي بالأزمة السياسية. فعلى سبيل المثال لم تحظ جلسة مشاورات بين المجلس الرئاسي وعدد من المكونات والأحزاب السياسية بشأن ملف الانتخابات بالاهتمام ذاته، ومع تضييق الخناق على حكومة الدبيبة تراجعت تحركاتها في المجال العام، فيما يتصور أنها فقدت قدراً من الشرائح الاجتماعية التي كانت تؤيدها في غرب ليبيا، حتى وإن لم تكن تلك الشرائح مؤيدة للنظام السابق، لكنّ هناك غياباً لعملية سيادة القانون، وتراكم العديد من القضايا التي طالت حكومة الدبيبة في هذا السياق، وخاصة بعد أزمة قضايا الفساد المالي.

وبالتالي فالمتصور أن قاعدة التأييد للدبيبة تتآكل باستمرار، وقد يصعب عليها إنقاذ الموقف، خاصة مع تقاطع قوى الحراك الاجتماعي المضادة له، وتوافق أغلبها على التحرك الشعبي لتغيير حكومته، وهو عامل آخر يرجح مسار التوتر المقبل في المشهد الليبي يضاف إلى موقف حراك فزان.

أيضاً، كان ينظر إلى أن الولايات المتحدة فاعل رئيسي في المشهد السياسي الليبي، إلا أن هذا الدور سيتراجع بحكم اتهام واشنطن بالإساءة للسيادة الوطنية الليبية، إضافة إلى مخاوف الكثير من الليبيين من تداعيات القضية في المستقبل على ليبيا، خاصة من جانب القوى المعادية للدبيبة، والتي ترى أنه يحظى بدعم خارجي وليس داخلياً، مدللين على ذلك بما ألمح إليه بيان أمريكي صدر مؤخراً عارض اتجاه مجلسي النواب والدولة لتشكيل حكومة موحدة، وأشار إلى أن حكومة الدبيبة –كحكومة مؤقتة- يمكنها القيام بالدور التنفيذي كسلطة أمر واقع لحين إجراء الانتخابات التي تعد أولوية لكافة الأطراف. وفي حال تراجع الدور الأمريكي، فإن البدائل الأخرى المتمثلة في القوى الأوروبية والإقليمية ستتأثر بهذا التطور.

في الأخير، من المتصور أن المشهد الليبي بات مرتبكاً ومتأزماً أكثر مما كان عليه من قبل، وستزيد قضية محاكمة أبو عجيلة من احتمالات تصاعد التوتر الأمني في الوقت ذاته، وعلى الأرجح تراقب كافة الأطراف في الوقت الراهن تحرك النائب العام والمؤسسات تجاه القضية، إلا أن تشابك القضية مع الوضع السياسي سيُدخل ليبيا في فصل جديد من التصعيد، قد يأخذ مسار التصعيد الجماهيري، وربما أيضاً التصعيد الأمني من جانب النظام السابق الذي قد يلجأ إلى استخدام القوة إن لم تنفتح حكومة الدبيبة على مطالبه وتُبرم معه صفقة مقبولة تهدئ من حدة الأجواء الساخنة بين الطرفين.

وإجمالاً، ستتراجع الاهتمامات بالقضية السياسية مؤقتاً، كما قد تساهم التطورات الأخيرة التي أطلقت قضية أبو عجيلة شرارتها في إعادة تشكيل جانب من المشهد السياسي الليبي.