سياسات متباينة:
تداعيات الخلافات الروسية-الإيرانية المتنامية على قضايا التعاون المشترك

سياسات متباينة:

تداعيات الخلافات الروسية-الإيرانية المتنامية على قضايا التعاون المشترك



يمكن تفسير تجدد التوتر بين روسيا وإيران في ضوء اعتبارات عديدة يأتي في مقدمتها الدعم الروسي للموقف الإماراتي من قضية الجزر، وتراجع احتمالات تنفيذ صفقة سوخوى 35، وتزايد الاتهامات الإيرانية الموجهة لروسيا بمحاولة تعطيل الاتفاق النووي. وربما يقود ذلك إلى تداعيات عديدة مثل تراجع الدعم العسكري الإيراني لروسيا في الحرب الأوكرانية، وتسريع الوصول إلى اتفاق نووي جديد، وتزايد التقارب الإيراني-الأوروبي.

فرغم حرص كل من إيران وروسيا على رفع مستوى تعاونهما الدفاعي العسكري والسياسي والأمني والاقتصادي خلال السنوات والأشهر الأخيرة؛ إلا أن العديد من القضايا الخلافية ظلت عالقة بين الطرفين، ولكن لم تكن الظروف والتطورات تسمح ببروزها على السطح. وبقيت أبرز هذه الخلافات ممثلة في اختلاف الرؤى والصراع الخفي في المناطق المجاورة الجغرافية في آسيا الوسطى والقوقاز، علاوةً على نهج الدولتين في التعامل مع الملف الفلسطيني وإسرائيل. إلا أن ثمة تطورات عديدة طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية في الفترة الأخيرة دفعت التوتر بين الجانبين إلى الواجهة من جديد.

أسباب عديدة

يمكن القول إنّ أحدث ما قاد إلى إعادة تجديد التوتر بين طهران وموسكو مؤخراً يتمثل فيما يلي:

1- إعلان روسيا دعمها للموقف الإماراتي في قضية الجزر الثلاث: أثارت بعضُ محتويات البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا، الذي عُقد في موسكو يوم 10 يوليو الجاري، تحت عنوان “الحوار الاستراتيجي بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي”، غضباً شديداً في إيران وكانت في الواقع بمثابة كشف للمسكوت عنه في العلاقات الإيرانية-الروسية.

فقد سارعت الخارجية الإيرانية على لسان المتحدث باسمها، ناصر كنعاني، في اليوم التالي مباشرة إلى الإعلان عن رفضها بشدة لهذا الدعم الروسي الصريح للموقف الإماراتي في قضية الجزر الثلاث. وفي 12 من الشهر نفسه، أعلنت الخارجية الإيرانية عن استدعاء السفير الروسي لدى طهران، ألكسي ديدوف، “احتجاجاً” على دعم موسكو الصريح للموقف الإماراتي، مطالبة بـ”تصحيح موقف روسيا من هذه المسألة”. وفي هذا الإطار، انهالت التصريحات المناهضة لروسيا من جانب المسؤولين الإيرانيين ومختلف وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة بالفارسية وغيرها.

فعلى سبيل المثال، اتهم مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، في 12 يوليو الجاري، روسيا بأنها ترمي من وراء هذا الدعم إلى “الاستفادة من تحسين العلاقات الاقتصادية مع الإمارات”، كما سخر ولايتي من موسكو قائلاً إن خطوة الدعم هذه المُشار إليها تُعد “نوعاً من الحماقة التي شوهدت في الروس”، على حد تعبيره.

وقوبل هذا الدعم الروسي بموجة حادة من الانتقادات اللاذعة تجاه إيران على صفحات الصحف الإيرانية بمختلف توجهاتها المحافظة والإصلاحية. ومثال على ذلك، عنونت صحيفة “شرق” الإصلاحية في عددها الصادر يوم 13 يوليو الجاري صفحتها الرئيسية بـ”تحذير إلى روسيا”، حيث شككت في إمكانية أن تكون روسيا “شريكاً موثوقاً به” لإيران، بعد دعمها موقف الإمارات.

2- تعطل تسليم روسيا طائرات “سوخوي-35” لإيران: فی 21 يوليو الجاري، تحدث وزير الدفاع الإيراني، محمد رضا أشتياني، عن امتعاض بلاده من تعطل صفقة تسليم روسيا 24 مقاتلة حربية جوية من طراز “سوخوي-35” إليها كان قد تم الاتفاق عليها في مارس 2023، قائلاً في هذا الصدد إن إيران “استنتجت لاحقاً أن لديها القدرة على إنتاج مقاتلات محلية الصنع”، وهو ما يشير في الواقع إلى “انهيار” الصفقة العسكرية بين البلدين. وشدد الوزير الإيراني على أن طهران يمكنها “إعادة النظر في عملية الشراء إذا لزم الأمر”.

وتعتقد مصادر إيرانية أن السبب وراء هذا المنع في التسليم يكمن في خضوع روسيا للضغوط الغربية وتحذير الولايات المتحدة عدة مرات من تعميق موسكو تعاونها العسكري مع إيران. بل إن كُتّاباً إيرانيين يذهبون إلى أن أحد أسباب ذلك يعود أيضاً إلى عدم ميل موسكو إلى أن تمتلك إيران قوات عسكرية جوية متقدمة للغاية، فيما لم تستبعد هذه المصادر صفقة إسرائيلية روسية أو ضغوطاً موازية من جانب تل أبيب.

وما يزيد الأمر شكوكاً في طهران هو أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تلغي فيها روسيا صفقة من هذا النوع. ففي عام 2007، أبرمت روسيا مع إيران صفقة لحصول طهران على أنظمة صواريخ مضادات جوية روسية “إس-300″، إلا أن روسيا ألغت الصفقة بعد ذلك بسنوات ثلاث في عام 2010، بعد ضغوط من جانب مجلس الأمن الدولي والقوى الغربية الأخرى.

وعلى الرغم من أن إيران عادت واستلمت هذه الصواريخ من روسيا، إلا أن ذلك جاء بعد التوصل إلى الاتفاق النووي الشهير بين طهران والقوى الكبرى في عام 2015، وهو ما قد “يؤكد” للإيرانيين أن روسيا تتصرف في هذه الأمور طبقاً للضغوط الغربية على الرغم مما تراه إيران من مجازفة دعم روسيا عسكرياً عن طريق الطائرات المسيرة (درونز) في الحرب مع أوكرانيا، وهو ما أدى بالأساس إلى تعرض إيران لعقوبات خارجية متتالية لا تزال جارية حتى اليوم.

3- شكوك إيرانية حول “إعاقة” روسيا للمحادثات النووية مع الغرب: منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في فبراير من العام الماضي، وإصرار روسيا أكثر من مرة على مطالب بعينها من أجل مواصلة المفاوضات النووية بين إيران والغرب؛ بدأت الأصوات الناقدة تتزايد في إيران بشأن “دور روسي سلبي” حيال المفاوضات النووية، بل وصل الأمر كثيراً إلى اتهام كتاب وصحفيين إيرانيين لروسيا بمحاولة إعاقة أي تقدم في العلاقات بين إيران والدول الأوروبية على وجه التحديد، وخاصة في ظل توتر العلاقات بين موسكو والدول الغربية.

ومع ذلك، تناثرت هذه الأصوات الرسمية وغير الرسمية على استحياء خلال الفترة الماضية، كما لم تجد الأصوات غير الرسمية صداها بوضوح داخل الإعلام الإيراني حتى وقت قريب، بسبب رغبة الحكومة الإيرانية في الحفاظ على علاقات جيدة مع موسكو على الرغم من غضبها المكبوت غير المعلن عنه بشأن ذلك. ولكن مع توتر العلاقات مؤخراً بين روسيا وإيران على خلفية بيان وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا في موسكو الذي أوضح دعم روسيا لموقف الإمارات فيما يتعلق بالجزر الثلاث، بالإضافة إلى ملف مقاتلات “سوخوي 35″، فقد بدأت هذه الأصوات بمجملها تتزايد وتفصح عن نفسها أكثر فأكثر، وخاصة تلك غير الرسمية.

وكان أولى الخطوات الروسية التي أزعجت الإيرانيين في هذا الصدد اشتراط روسي في مارس 2022 على بقاء العلاقات التجارية بينها وبين طهران مفتوحة من أجل الاستمرار في أداء دورها في المفاوضات النووية والاتفاق المحتمل ذي الصلة، وهو ما تسبب في الواقع في تأجيل المفاوضات لأسابيع طوال استمر الغضب الإيراني حينها قائماً ولكنه مقيّد شيئاً ما بغية عدم الإضرار بالعلاقات الثنائية بين البلدين. فعلى سبيل المثال، ذكرت وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية شبه الرسمية في 7 مارس 2022 أن مسؤولين إيرانيين انتقدوا “التدخل” الروسي في المراحل النهائية للمحادثات النووية الرامية لإحياء اتفاق عام 2015 النووي بين إيران والقوى الكبرى، حيث نقلت الوكالة عن مسؤولين إيرانيين قولهم إن المطالب الروسية -آنذاك- تهدف إلى “ضمان مصالح موسكو في مجالات أخرى”، واصفين إياها بأنها “غير بناءة”.

(تغريدة الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، في 7 مارس 2022)

وقد دفع ذلك آنذاك الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، إلى التأكيد على أن المفاوضات النووية ترمي بالأساس إلى ضمان “مصالح شعبنا”.

تداعيات محتملة

بالنظر إلى الغضب الإيراني الشديد مؤخراً من الجانب الروسي، فإن تنامي التوترات بين البلدين يمكن أن ينعكس على القضايا المشتركة التالية:

1- تراجع مستوى الدعم العسكري الإيراني لروسيا في الحرب مع أوكرانيا: يعود توتر العلاقات بين إيران وروسيا مؤخراً إلى قضايا حساسة حسب المنظور الإيراني، وهو ما يمكن أن يتبعه رد فعل إيراني راديكالي. ولعل أبرز هذه الانعكاسات قد نجدها في تأثير هذه التطورات على التعاون العسكري والدعم الإيراني الدفاعي لروسيا في حربها مع أوكرانيا، وهو أمر محتمل بشدة، خاصة في ظل وجود سبب عسكري قوي أدى لتوتر علاقات الدولتين ممثل في رفض روسيا إتمام صفقة “سوخوي-35” مع إيران، وهو ما قد تقابله طهران بتخفيض أو قطع دعمها العسكري بشكل كامل مع روسيا خلال الأيام المقبلة.

2- تعزيز التقارب الإيراني-الأوروبي على حساب العلاقات مع موسكو: تُعد هذه النتيجة ممكنة في حال استمرت حالة التوتر في العلاقات بين إيران وروسيا، حيث إن هذه معادلة دائمة في مجال السياسة الخارجية الإيرانية على مدار عشرات الأعوام، فعندما تضطرب علاقات البلاد مع كتلة أو حليف، تلجأ طهران إلى الطرف المقابل من أجل تقوية مكانتها ودرء أية مخاطر قد تحاصرها من حلفائها القدامى.

3- تسريع التوصل إلى الاتفاق النووي من جديد: من أجل دفع المفاوضات النووية قدماً إلى الأمام، وفي ظل توتر علاقاتها مع روسيا، قد تلجأ إيران إلى تعزيز الحوار في قادم الأيام مع الاتحاد الأوروبي، وبشكل غير مباشر مع الولايات المتحدة؛ وذلك من أجل استئناف المفاوضات النووية في فيينا مرة أخرى والتوصل في النهاية إلى الاتفاق النووي الذي طال انتظاره. وقد يعزز مثل هذا المسار توق إيران إلى إبرام مثل هذا الاتفاق من أجل تخفيف حدة الأزمات الاقتصادية في الداخل، كما أن مثل هذه التحركات تأتي جنباً إلى جنب في إطار سياسة كبرى وهي الانفتاح على الخارج بهدف إحداث تغييرات جدية إيجابية في المجال الاقتصادي والسياسي، وإيجاد حالة من الاستقرار المحلي اقتصادياً وسياسياً في البلاد.

حدود التوتر

في ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن التوتر بين إيران وروسيا قد يتصاعد في المرحلة القادمة، دون أن ينفي ذلك أن الضغوط التي تتعرض لها الدولتان قد تدفعهما إلى وضع حدود لهذا التوتر، خاصة أن هناك ملفات عديدة ما زالت تشهد تطورات لا تبدو هينة، وتحظى باهتمام خاص من جانب طهران وموسكو، على غرار الملف السوري والحرب الروسية في أوكرانيا.