خطوات استباقية:
تحركات أمريكية لمواجهة تداعيات استمرار الحرب في غزة

خطوات استباقية:

تحركات أمريكية لمواجهة تداعيات استمرار الحرب في غزة



تتصاعد الهجمات التي تُنسب لمليشيات موالية لإيران ضد القوات الأمريكية في العراق وسوريا مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” التي نفذت في 7 أكتوبر الجاري. فقد أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، الجنرال بات رايدر، في ٢٤ من الشهر الجاري، تعرض القوات الأمريكية لعشر هجمات في العراق، وثلاث هجمات أخرى في سوريا منذ ١٧ من الشهر نفسه، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حركة حماس في قطاع غزة. وأوضح أنه تم إحباط هجوم بالمسيرات على القوات الأمريكية بقاعدة التنف في سوريا. وفي الأسبوع الماضي، أسقطت سفينة حربية أمريكية قبالة سواحل اليمن أكثر من اثنتي عشرة طائرة من دون طيار وأربعة صواريخ كروز أطلقها الحوثيون المدعومون من إيران.

آليات رئيسية

مع التوقعات الأمريكية المتزايدة باستمرار الاستهداف نتيجة تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، بدأت الإدارة الأمريكية في اتخاذ عدد من الخطوات الاستباقية للحد من تلك التهديدات، وكردع لإيران وللمليشيات الموالية لها عن توسيع نطاق الحرب. وتتمثل أبرز الخطوات التي اتخذتها واشنطن لتحقيق ذلك فيما يلي:

1- دعوة إسرائيل لتأجيل الغزو البري: بينما تعلن الإدارة الأمريكية علناً معارضتها لوقف إطلاق النار في الصراع المستمر بين إسرائيل وحركة حماس، حيث قال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، جون كيربي، في ٢٣ أكتوبر الجاري، لشبكة “سي إن إن”: “لا نعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لوقف إطلاق النار.. لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وما زال أمامها عمل يتعين عليها القيام به لملاحقة قيادة حماس”؛ فإن تقريراً لصحيفة “نيويورك تايمز”، نشر قبل ذلك بيوم واحد، أشار إلى طلب الولايات المتحدة من الجانب الإسرائيلي الإحجام عن أي هجوم بري على قطاع غزة، على أمل كسب الوقت لإجراء مفاوضات بشأن الرهائن، ولا سيما بعد إطلاق الحركة امرأتين أمريكيتين، بجانب السماح بوصول المزيد من المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين في القطاع المحاصر.

ويؤكد ذلك تقرير لموقع “أكسيوس”، في ٢٤ أكتوبر الجاري، أشار إلى أن إسرائيل، وفقاً لمسئولين إسرائيليين، مستعدة لتأجيل الغزو البري لقطاع غزة بضعة أيام لمناقشة إطلاق سراح عدد كبير من الرهائن لدى حركة حماس، التي تحتجز أكثر من ٢٠٠ إسرائيلي. وهناك تخوف أمريكي من أن يؤدي الغزو البري إلى تقويض الجهود التي تقوم بها الإدارة بشكل رئيسي للإفراج عن الرهائن لدى حركة حماس، التي حذرت من أن الغزو البري سيقلل احتمال إطلاق سراح الرهائن بشكل كبير.

2- الاستعداد لاتساع نظاق الصراع في المنطقة: هناك هواجس أمريكية من أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وشن هجوم بري على القطاع، بجانب تبادل القوات الإسرائيلية وحزب الله اللبناني المدعوم من إيران إطلاق النار على الحدود اللبنانية؛ إلى توسيع نطاق الحرب الإسرائيلية، واستهداف الأمريكيين ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة بشكل قوي من قبل المليشيات الموالية لإيران. فقد أعرب وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، عن مخاوف الإدارة الأمريكية من استهداف وكلاء إيران للقواعد الأمريكية والموظفين الأمريكيين في المنطقة.

وتحسباً لاحتمالات توسع نطاق الحرب الإسرائيلية ضد حركة حماس في قطاع غزة، أمر وزير الدفاع الأمريكي بنشر منظومة “ثاد” المضادة للصواريخ وبطاريات “باتريوت” لزيادة قدرات الجيش الأمريكي الدفاعية الصاروخية، بجانب احتمال نشر قوات أمريكية في المنطقة للمساعدة في حماية القوات الأمريكية بعد إرسال حاملتي طائرات إلى شرق البحر الأبيض المتوسط في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” وبداية العمليات العسكرية لمنع توسيع نطاق الحرب إقليمياً.

3- التأكيد على قدرات الردع الأمريكية: أكد المسئولون العسكريون الأمريكيون مع توقعات بزيادة المليشيات الموالية لإيران من هجماتها ضد القواعد العسكرية الأمريكية في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، على قدرة الولايات المتحدة في المنطقة على مجابهة أي تهديد محتمل. وقد شدد رايدر على أن جهود الولايات المتحدة في المنطقة تنصب على الردع، وعدم توسيع الصراع. وسبق أن حذر أوستن من أن الولايات المتحدة لن تتردد في التحرك عسكرياً ضد أي منظمة أو دولة تسعى إلى توسيع النزاع في الشرق الأوسط بين إسرائيل وحركة حماس.

وقد كشف تقرير حصري لوكالة “رويترز”، في ٢٤ أكتوبر من الشهر الجاري، عن اتخاذ الجيش الأمريكي خطوات جديدة لحماية قواته في الشرق الأوسط مع تزايد المخاوف من هجمات تشنها مليشيات مدعومة من إيران. وتشمل تلك الإجراءات زيادة الدوريات العسكرية الأمريكية، وتقييد الوصول إلى مرافق القواعد الأمريكية، وزيادة جمع المعلومات الاستخبارية، من خلال الطائرات من دون طيار وعمليات المراقبة الأخرى. بجانب تعزيز المراقبة من أبراج الحراسة على المنشآت العسكرية الأمريكية، والإجراءات الأمنية عند نقاط الوصول إلى القواعد، وزيادة العمليات لمواجهة الطائرات من دون طيار والصواريخ والقذائف المحتملة ضد القواعد الأمريكية. وذكر التقرير أن الجيش الأمريكي يترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية إجلاء عائلات العسكريين الأمريكيين إذا لزم الأمر.

وقد ذكر قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال مايكل كوريلا، للوكالة أنه مع زيادة عدد الهجمات ومحاولات الهجوم على مواقع عسكرية أمريكية، تتزايد أهمية المراجعة المستمرة لإجراءات حماية القوات الأمريكية. وأشار إلى أن الخطوات التي تم اتخاذها بالفعل لزيادة إجراءات حماية القوات، وكذلك نشر أصول عسكرية أمريكية إضافية في المنطقة في الأيام الأخيرة، قد حالت دون وقوع المزيد من الخسائر الخطيرة في صفوف القوات الأمريكية في مسرح العمليات.

4- إعداد خطة لإجلاء الأمريكيين: اتساقاً مع نهج الإدارة الأمريكية لسرعة إجلاء الأمريكيين من مناطق الصراع في منطقة الشرق الأوسط، كشف تقرير لصحيفة “واشنطن بوست”، في ٢٣ أكتوبر الجاري، عن استعداد إدارة بايدن لاحتمال إجلاء مئات الآلاف من الأمريكيين إذا اقتضت الضرورة. ووفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية، فإن هناك حوالي ٦٠٠ ألف أمريكي يعيشون في إسرائيل، وقرابة ٨٦ ألفاً آخرين في لبنان، يشكلون مصدر قلق خاصاً. وكشف التقرير أن عملية إجلاء بهذا الحجم هي السيناريو الأسوأ، وستكون من أصعب عمليات الإجلاء في تاريخ الولايات المتحدة للعدد الكبير من الأمريكيين الذين سيتم إجلاؤهم.

وبالفعل، طلبت وزارة الخارجية الأمريكية من بعض الدبلوماسيين الأمريكيين غير الأساسيين في سفارة بغداد وقنصلية أربيل مغادرة العراق بسبب التهديدات الأمنية المتزايدة. وكذلك حثت مواطنيها الراغبين في مغادرة لبنان على سرعة القيام بذلك الآن، في وقت لا تزال فيه الرحلات الجوية التجارية متاحة، لأن الوضع الأمني لا يمكن التنبؤ به.

وقد توازى ذلك مع مطالبة وزارة الخارجية المواطنين الأمريكيين بعدم السفر إلى العراق لأسباب أمنية، بعد الهجمات الأخيرة على القوات الأمريكية في المنطقة. وقد سبق أن أصدرت الوزارة تحذيراً أمنياً تنصح فيه الأمريكيين في الخارج بتوخي مزيدٍ من الحذر بسبب احتمال وقوع أعمال عنف وزيادة التوترات في مواقع مختلفة حول العالم.

جدل متجدد

أعاد التصعيد العسكري بين إسرائيل وحركة حماس، وتداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية في ٢٤ فبراير ٢٠٢٢، الجدل داخل الولايات المتحدة مجدداً حول ما إذا كانت منطقة الشرق الأوسط ذات أولوية استراتيجية للولايات المتحدة بعد سنوات من سياسات الإدارات الأمريكية الجمهورية والديمقراطية المتعاقبة لتقليل الانخراط في المنطقة، وفض الاشتباك مع ملفاتها المتأزمة إلا تلك التي تؤثر بصورة مباشرة على المصالح الأمريكية.

فقد ألقى التيار المدافع عن انخراط أمريكي مكثف في الشرق الأوسط باللوم على الانسحاب الأمريكي من المنطقة أو التهديد به. بينما جادل آخرون بأن التصعيد الأخير بين إسرائيل وحركة حماس أنهى “الوهم” بأن الولايات المتحدة قادرة على إخراج نفسها من المنطقة، التي هيمنت على أجندة الأمن القومي الأمريكي لعقود. ويقول آخرون إن التصعيد خير كاشف عما تبدو عليه المنطقة ما بعد الانسحاب الأمريكي. في حين يدعو البعض إلى اعتراف الولايات المتحدة بإخفاقات سياساتها السابقة، وبالقيود المفروضة على ما يمكن أن تحققه المشاركة الأمريكية للمنطقة، وأن تقلص سياستها في الشرق الأوسط إلى المستوى الذي يتناسب مع المصالح الأمريكية.