بين قمتين – الحائط العربي
بين قمتين

بين قمتين



لا شىء يُظهر عمق التحولات العالمية والإقليمية التي حدثت في السنوات الأخيرة كالمقارنة بين قمة الرياض الأمريكية-العربية-الإسلامية التي عُقدت في مايو٢٠١٧وقمة جدة الأمريكية-العربية التي جرت وقائعها منذ أيام، فقد شهدت الأولى أول زيارة خارجية للرئيس دونالد ترامب بعد أربعة أشهر من بدء ولايته، ومثلت انعكاسا طبيعيا لعمق العلاقة الأمريكية-السعودية وأهمية المملكة العربية السعودية بالنسبة للولايات المتحدة، بينما جاءت الثانية بعد سنة ونصف السنة من رئاسة بايدن الذي توعد السعودية بتحويلها لدولة منبوذة فإذا به يذهب إليها ويشارك في قمة يدير جلستها الافتتاحية ولي العهد السعودي، وفي قمة الرياض طغت مواجهة الإرهاب على أعمال القمة، وكان هذا طبيعياً في ظل استمرار ما سُمي بدولة الخلافة الإسلامية على أجزاء من إقليمي العراق وسوريا، بينما كان واضحاً في قمة جدة أن قضيتها الأولى مهما ادعى بايدن غير ذلك هي تحقيق أمن الطاقة واستقرار أسواقها انعكاساً للهلع من تداعيات الأزمة التي نجمت عن فرض العقوبات الغربية على روسيا، وانتهت قمة الرياض إلى إعلان نوايا بشأن تأسيس “تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي” بمشاركة العديد من الدول للإسهام في تحقيق السلم والأمن في المنطقة والعالم، واستكمال تأسيسه وإعلان الدول المشاركة فيه خلال٢٠١٨، ورحب الإعلان باستعداد عدد من الدول الإسلامية للمشاركة في التحالف لتوفير قوة احتياط قوامها٣٤ألف جندي لدعم العمليات ضد المنظمات الإرهابية في العراق وسوريا عند الحاجة، بينما لم تُشِر قمة جدة بحرف إلى أي تحالف من أي نوع.

وتحتاج هذه النقطة بالذات وقفة تأمل، فقد أوضحت في المقالين السابقين أن مشروعات الأحلاف المطروحة من الخارج كان مآلها على الدوام الفشل، إما لقوة النظام الإقليمي العربي، أو لتهافت الأساس الذي تُبنى عليه حتى عندما تردت أوضاع النظام العربي بشكل لافت، ويصدق هذا الاستنتاج بوضوح على مشروع التحالف السابق، فلم يُسمع عنه حرف بعد إعلان قمة الرياض، وقبيل قمة جدة كثر المحللون الذين ذهبوا إلى أن خطط إنشاء “ناتو عربي” ضد إيران قد اكتملت، ولم يبق سوى إعلانها في القمة، وجاء تصريح أحد القادة العرب بتحبيذ الفكرة مواتيا لتوقعاتهم رغم أن كل الظروف الموضوعية كانت تشير إلى أن الرشادة لابد وأن تُفضي إلى طريق آخر، فالغالبية العظمى من الدول الخليجية إما أنها قد أصبحت لها علاقاتها الطبيعية مع إيران، أو أنها منخرطة في حوارات جادة معها كحالة السعودية، ومصر صاحبة موقف راسخ وفاعل تجاه الأحلاف ذات المكون الأجنبي منذ استقلالها أكده السيد سامح شكري قبيل المؤتمر، وزاد على ذلك أن رئيس الوزراء العراقي صرح في اليوم السابق على القمة بأن العراق لم ولن يكون اليوم ولا غدا في أي محور أو حلف عسكري، وكان قد صرح قبلها بأن العراق لا يمكن أن يكون منطلقا لتهديد أي من دول الجوار في اتساق مع الدور التوفيقي الذي يضطلع به في محيطه الخليجي والعربي، وبعده جاء تصريح مستشار رئيس دولة الإمارات صراحة بأن بلاده لن تكون جزءا من محور ضد إيران بما يتسق وسياسة مد يد الصداقة لجميع دول المنطقة والعالم، ويبدو واضحا في إطار هذه المواقف أن الموضوع لم يُطرح في القمة أصلا بدليل خلو بيانها الختامي من أي إشارة ولو عامة لأي تحالف، وما ذكره وزير الخارجية السعودي بعد القمة من أنه لا يوجد شىء اسمه ناتو عربي، وأن بلاده لم تشارك في أي مشاورات بهذا الشأن، بل إن اللافت من مقارنة القمتين أنه بينما تبنت قمة الرياض موقفا بالغ العداء تجاه إيران بسبب اتهامها بدعم الإرهاب والتطرف، وأدانت المواقف العدائية للنظام الإيراني واستمرار تدخلاته في الشئون الداخلية للدول، وأكدت التزام قادتها بالتصدي لنشاطاته التخريبية الهدامة بكل حزم وصرامة، وشددت على خطورة برامج إيران للصواريخ الباليستية، فإن قمة جدة قد دعت إيران للتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ودول المنطقة لإبقاء منطقة الخليج العربي خالية من أسلحة الدمار الشامل، والواقع أن الحديث عن حلف عسكري ضد إيران كان سيبدو غريبا في ظل التطورات الأخيرة في علاقات إيران بدول الخليج العربية، بل وفي ظل استمرار المساعي الأمريكية لإحياء الاتفاق النووي معها.

وأخيرا وليس آخرا فإنه بينما خلا إعلان الرياض من أي إشارة لقضية عربية محددة سوى اليمن عَرَضا في سياق الحديث عن مكافحة الإرهاب، فإن بيان قمة جدة أكد الحل العادل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على أساس حل الدولتين، مشددا على أهمية المبادرة العربية ووقف الإجراءات الأحادية والاعتراف بالوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة واحترام الوضع التاريخي القائم لمدينة القدس وأهمية دعم الاقتصاد الفلسطيني ووكالة غوث اللاجئين، كما أكد التزام الرئيس الأمريكي بالعمل من أجل تحقيق السلام العادل والشامل والدائم في الشرق الأوسط، وصحيح أن هذا كله يمكن أن يقف عند حدود الأقوال دون الأفعال، لكن رصد التحول من التجاهل التام للقضايا العربية لتبني مواقف معقولة تجاهها يبقى واجبا، بل إن بيان قمة جدة تناول أيضا قضايا عربية عديدة أهمها الصراعات الدائرة حتى الآن في اليمن وسوريا وليبيا. تحولت موازين القوى العالمية والإقليمية باتجاه توازنات عالمية وإقليمية أفضل، وأجادت القيادات العربية قراءة هذه التحولات فلم تُستدرج إلى مواقف التأييد الأعمى للتحالف الغربي ضد روسيا والصين بما يتعارض مع مصالحها الوطنية، وهو أداء مبشر بإمكان العودة إلى تبني مواقف عربية مشتركة في مواجهة التحديات الخارجية وما أكثرها.

نقلا عن الأهرام