اليوم التالي:
المسارات المحتملة لانتهاء الحرب على غزة ومستقبل القطاع

اليوم التالي:

المسارات المحتملة لانتهاء الحرب على غزة ومستقبل القطاع



نظّم مركز “العالم العربي للأبحاث والدراسات المتقدمة”، بالقاهرة، بتاريخ 8 نوفمبر 2023، جلسة استماع بعنوان “اليوم التالي: المسارات المحتملة لإدارة قطاع غزة بعد الحرب”. واستضاف المركز الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس (كمتحدث رئيس في الجلسة)، كما شارك في الجلسة عدد من الخبراء والباحثين المتخصصين في مجالات مختلفة، وهم: الدكتور محمد عز العرب، والدكتور محمد عباس ناجي، والأستاذ عمرو عبدالعاطي، والأستاذ كرم سعيد، والدكتور حمدي بشير، والأستاذ حسين معلوم، والدكتور هيثم عمران، والأستاذ محمد عمر، والأستاذ علي عاطف.

سيناريوهات الحرب

تطرق “الرقب” إلى بعض سيناريوهات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، عقب عملية “طوفان الأقصى” التي قادتها حركة حماس يوم 7 أكتوبر 2023، لاستهداف المستوطنات الإسرائيلية في غلاف القطاع، وأبرزها:

السيناريو الأول- فوز إسرائيل على حركات المقاومة: رجح الرقب حدوث هذا السيناريو خاصة في ظل إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضمن حكومة الحرب التي شكلها بهدف هزيمة بل واستئصال حركة حماس وباقي حركات المقاومة وتغيير الوضع العسكري في غزة، إلا أنه من المتوقع استمرار الحرب حتى ديسمبر 2023 وهو المدى الذي قد تسمح به واشنطن لإسرائيل لاستمرار الحرب، وبالتالي يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحقيق الفوز قبل هذا الموعد رغم التحذيرات الأمريكية له من شدة الاندفاع في القطاع وتوسيع العملية البرية بشكل غير محسوب.

ورجح الرقب حدوث هذا السيناريو نظراً للقدرات العسكرية التي تملكها إسرائيل والدعم الأمريكي غير المسبوق وفتح مخازن السلاح السرية لها في حيفا بقيمة 4.5 مليارات دولار بجانب الدعم الغربي الآخر، بخلاف تزويدها بقنابل دقيقة وذكية مثل “سلاح النينجا” الأمريكي السري الذي استخدم في قتل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري زعيمي تنظيم القاعدة السابقين، حيث يتم التحكم بها من خلال الأقمار الصناعية.

وبحسب الرقب وفي حال نجاح هذا السيناريو سنشهد خمسة مسارات هي:

1- تولِّي السلطة الفلسطينية إدارة قطاع غزة: وذلك ضمن مشروع سياسي شامل يضمن قيام دولة فلسطينية تضم الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، حيث تمسك الرئيس محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية بهذا الشرط خلال مباحثاته مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في رام الله، فهو يرفض تقسيم القضية أو تصفيتها وعزل غزة عن القطاع، إلا أن إسرائيل ترفض هذه الشروط وخاصة إقامة الدولة الفلسطينية، وبالتالي من المستبعد حدوث هذا المسار.

2-  تولي مصر إدارة قطاع غزة: كان هذا الطرح ضمن المقترحات التي روجت لها إسرائيل وواشنطن وحلفاؤهما، كما كانت مصر مسؤولة في السابق عن إدارة القطاع، لكن القاهرة رفضت هذا المقترح حتى لا يؤدي لتصفية القضية الفلسطينية ومنع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967، ولهذا طالبت الاحتلال بتولي مسؤوليته كقوة احتلال نحو الأراضي المحتلة.

3-  تشكيل قوة عربية لإدارة غزة: تناول هذا الطرح الذي قدمه الرئيس الأمريكي جو بايدن تشكيل قوة عربية تتولى إدارة قطاع غزة إدارياً وعسكرياً، لكن رفضته الدول العربية حتى لا تتولى عبء القطاع والصدام مع الاحتلال بخلاف تسبب هذا المقترح في تعزيز الانقسام بين الضفة الغربية وغزة ومنع إقامة دولة فلسطينية.

4-  وضع غزة تحت إدارة دولية: ويتناول هذا المقترح تولي الأمم المتحدة إدارة القطاع، لكنها وضعت شروطاً قوية لن تقبل بها إسرائيل، ومن بينها إنشاء مطار في غزة، ورفع الحصار كلياً عن القطاع، وإعادة إعمار القطاع، وإيجاد فرص عمل وخلق رفاهية اقتصادية في القطاع، وهذا الأمر سيستغرق سنوات، فعمليات الإعمار من المتوقع أن تحتاج إلى 20 عاماً على الأقل، وهذا المقترح هو الأقرب للتحقق بنسبة 30% فقط، لأن إسرائيل ترفض إقامة دولة فلسطينية.

5-  احتلال إسرائيل لقطاع غزة: هذا المسار من ضمن المسارات المتوقعة حيث تقدم إسرائيل على البقاء في القطاع واحتلاله ورفض الخروج منه، وستعمل على إنشاء منطقة عازلة بين القطاع ومستوطنات الغلاف، مع إنشاء كيان فلسطيني مدني يتولى عمليات الإدارة تحت سلطتها، ورغم أن هذا الأمر سيكون مكلفاً عسكرياً ومادياً للاحتلال لأنها ستكون مسؤولة بشكل مباشر عن القطاع، وستغرق في القطاع نتيجة ما ستتعرض له من خسائر، ومع هذا فمن المرجح حدوث هذا السيناريو بنسبة 70%.

لكن في حال طبّقت إسرائيل ذلك فستغرق في غزة بدون وضع حل سياسي ينهي الأزمة برمتها حتى وإن نجحت في القضاء على الحماس، لأن غزة ستعود للمقاومة ضد الاحتلال رغم اعتقاد نتنياهو الخاطئ بأنه سينهي أزمة غزة أمنياً وليس سياسياً.

السيناريو الثاني- انتصار حركات المقاومة: توقع الرقب أيضاً فوز حركات المقاومة في هذه الجولة بفضل قوة صواريخها وما ألحقته من تطوير بها، سواء من حيث قوة التفجير أو المدى الذي تصل إليه، ونجاحها في تغيير مجرى الحرب لصالحها بالأيام المقبلة، عبر إيلام الاحتلال وتوقيع أكبر قدر من الخسائر خاصة البشرية لإجباره على وقف الحرب والتوصل إلى هدنة مؤقتة تفتح مجال الحوار مع إسرائيل.

الاحتلال الآن موجود في شمال غزة ويفصل شمال غزة عن جنوبها، ويحتل حوالي ثلث القطاع منذ انطلاق عملياته البرية، ويقترب من الدخول لمدينة غزة، وإذا نجحت حماس وحركات المقاومة في وقف هذا التقدم ودحره بفضل ما لديها من ترسانة قد تكون غير معلومة لدينا فسيعزز من سيناريو الانتصار وإيقاع أكبر قدر من الايلام لإسرائيل، خاصة وأن الأرقام المعلنة بشأن خسائرها البشرية قد تكون أكبر مما هو معلن من قبلها حتى لا يؤثر على جبهة إسرائيل الداخلية وانهيار الحكومة وحتى الجيش ومؤسسات الدولة بسبب الغضب الشعبي.

وتوقّع الرقب نجاح هذا السيناريو بنسبة تصل إلى 30%، ويعقب ذلك حوار بشأن إدارة القطاع ما بعد الحرب رغم الحديث الدولي عن حسم إسرائيل لهذه الحرب في الوقت الحالي.

موعد الانتهاء

من بين التوقعات أيضاً انتهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بحلول ديسمبر 2023، وذلك انطلاقاً من عدة مؤشرات، أبرزها:

1- وقف شركات الطيران الغربية رحلاتها إلى مطار بن جوريون حتى 2 ديسمبر: وهذا الأمر مؤشر على الضوء الأخضر الذي أعطته الدول الغربية لإسرائيل من أجل إنهاء الحرب وحسمها بحلول هذا التاريخ، لذا فإن نتنياهو متعجل على إنهاء الحرب وبسرعة، بسبب الضغط الشعبي والدولي الذي يتعرض له قادة هذه الدول بسبب حجم الدمار والانتهاكات الإسرائيلية التي أحدثتها في القطاع.

2- التوجيهات والضغط الأمريكي على إسرائيل: كذلك نصحت الولايات المتحدة نتنياهو بأن يُهدئ وتيرة الحرب، وألا يدخل في عمق المدن ويترك فرصة لتنفيذ سيناريو كوسوفو في غزة، فقد شهدت كوسوفو قصفاً استمر ثلاثة أشهر، بعد ذلك كان من السهل دخولها، لهذا ذهب مسؤولو الدفاع الأمريكيون إلى إسرائيل لفرض هذا السيناريو، ورغم ذلك لم يلتزم نتنياهو بهذا الأمر.

3-  تسريع نتنياهو وتيرة السيطرة على غزة: يسرع نتنياهو من وتيرة السيطرة على غزة وبشكل مكثف، حيث رفض الضغط المتسلسل على المقاومة ودفعها للاستسلام، فهو يريد حسم المعركة وبسرعة لأنها أصبحت هدفاً سياسياً له لإنقاذ شعبيته ومستقبله السياسي الذي تدمر بسبب عملية “طوفان الأقصى”، لهذا يريد تدمير حماس والانتصار في هذه المعركة لإحياء مستقبله السياسي.

مواقف متباينة

1- موقف محور المقاومة من الحرب: اتضح أن وحدة مصير ما يسمى بـ”تيار المقاومة” كذبة كبرى، ولا توجد وحدة فيه.

حزب الله: حديث حسن نصر الله زعيم حزب الله بشأن الحرب أعلن صراحة عدم الدخول في الحرب مع حماس، ونفى وجود صلة لإيران أو حزب الله بعملية حماس، فطهران وحزب الله لا يريدان الانخراط في الحرب، ولهذا لم تبلغ حماس أي طرف بموعد عملية طوفان الأقصى. فما يقوم به حزب الله من اشتباكات مع إسرائيل هي محدودة للغاية ولرفع الحرج فقط، لذا لا ترد إسرائيل عليها بشكل قوي، فهي لا ترغب هي الأخرى في خوض جبهة حرب جديدة بخلاف جبهتها مع حماس.

إيران: أعلنت مراراً عدم وجود أي صلة لها بالحرب أو معرفة توقيت وتفاصيل عملية طوفان الأقصى، وحرص وزير خارجيتها على زيارة نيويورك ولقاء المسؤولين الأمريكيين والدوليين لنقل هذه الصورة خوفاً من الرد الغربي الأمريكي عليها.

جماعة الحوثي: ما قامت به جماعة الحوثي في اليمن من إطلاق صواريخ ومسيرات نحو إسرائيل هو لرفع الحرج وليس له تأثير، لهذا لم ترد عليها إسرائيل، فقد جاء هذا التحرك بإيعاز من إيران لرفع الحرج فقط، فلو كانت تريد إحداث تغيير حقيقي في مسار المعركة لفتحت الجبهة الشمالية من ناحية لبنان عبر حزب الله بشكل مباشر وهذا سيكون أقوى.

الجماعات المسلحة في العراق وسوريا: استهدفت بعض الجماعات المسلحة في العراق وسوريا الموالية لإيران القواعد الأمريكية في البلدين بصواريخ ومسيرات محدودة لم تحدث خسائر كبيرة بلغت أكثر من 30 هجوماً، لكنها غير ذات فاعلية، حتى إن سوريا ذاتها استهدفتها إسرائيل بشكل مستمر بعد طوفان الأقصى ولم تردّ إيران أو حركات المقاومة عليها.

2- موقف روسيا: خرجت اتهامات إسرائيلية لروسيا بأنها أمدت حركة حماس بإحداثيات كتائب ووحدات عسكرية سرية رصدتها الأقمار الصناعية الروسية، إلا أن موسكو نفت هذا الأمر، وهذا هو الأمر المتوقع لأن روسيا لن تقوم بهذا، لكن ما حدث أن حماس كانت تحرك بشكل مستمر ومكثف طيراناً مسيراً داخل مناطق غلاف غزة ورصدت العديد من هذه الوحدات، وفي ظل الاطمئنان الإسرائيلي لها لم تكترث كثيراً بهذه الاختراقات، وهو ما ساعد حماس في جمع الكثير من المعلومات.

ومع هذا رفضت روسيا تسمية ما قامت به حماس عملاً إرهابياً، أو تصنيفها كذلك، بل استضافت وفداً من الحركة لديها لبحث وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المحتجزين، وهو ما أثار غضب إسرائيل.

3- الولايات المتحدة: تكفلت واشنطن بدفع كل الخسائر الاقتصادية التي لحقت بالاقتصاد الإسرائيلي جراء الحرب التي تشنها على غزة، فقد حصلت إسرائيل حتى الآن من واشنطن على 14 مليار دولار، وستحصل على مبلغ مماثل خلال الفترة المقبلة ليصل إجمالي المساعدات إلى حوالي 30 – 40 مليار دولار، هذا بخلاف الدعم العسكري المباشر والاستخباراتي والسياسي داخل أروقة المؤسسات الدولية، وخاصة داخل مجلس الأمن الدولي.

لكن في حال طول أمد الحرب إلى ما بعد ديسمبر 2023 فستكون هناك أزمة في تمويل أمريكا لإسرائيل، لذا حددت واشنطن لإسرائيل هذا الشهر كمدى زمني لإنهاء الحرب.

4-  حلف الناتو: قدمحلف شمال الأطلسي دعماً غير مسبوق لإسرائيل، وتَمثل ذلك في إرسال العديد من أعضائه مساعدات عسكرية ودعماً واضحاً، مثل إرسال واشنطن وبريطانيا حاملات طائرات للمنطقة لدعمها، وإرسال فرنسا غواصات لدعمها، إلى جانب رسائل دعم عسكري من أعضاء آخرين مثل ألمانيا، وذلك لتوجيه رسائل ردع لخصوم إسرائيل الآخرين وليس حماس وحركات المقاومة.

مستقبل متشابك

أشار “الرقب” إلى أن الحرب وحّدت إسرائيل، فقد كانت تعاني من انقسام سياسي حاد رغم ما وجهته الحرب لها من ضربة قوية، ولهذا حاولت تنفيذ مخطط تهجير الفلسطينيين مستغلة الدعم الغربي لها، لكن هذا الأمر تم إفشاله حتى الآن، وإمكانية استمرار الحرب لفترة طويلة واردة، خاصة أن حماس لديها صواريخ متقدمة وذات قدرة تدميرية عالية لكنها تجعلها الورقة الأخيرة في الحرب الحالية، فهي تكثف الآن من الصواريخ محلية الصنع المحدودة مع الاشتباكات على الأرض. لكن المؤكد أنّ ما بعد عملية طوفان الأقصى ليس كما قبلها، وستكون هناك تغييرات واسعة بشأن القضية الفلسطينية، وكذلك الوضع في منطقة الشرق الأوسط.