العرب والتطورات الدولية الراهنة – الحائط العربي
العرب والتطورات الدولية الراهنة

العرب والتطورات الدولية الراهنة



ناقشت مقالة الأسبوع الماضي السلوكَ التصويتي للدول العربية تجاهَ تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان، واعتبرته مؤشراً جديداً على أن هذه الدول تتبنى بصفة عامة، وبنجاح حتى الآن، موقفاً مستقلاً تجاه الصراع الدائر في أوكرانيا.
والموقفُ المستقل لا يعني «اللاموقف»، وإنما تبني سياسات غير تابعة لأي من أطراف الصراع تأخذ في اعتبارها مبادئَ الشرعية والقانون الدولي وفي الوقت نفسه الهواجسَ الأمنيةَ للجميع دون تمييز، وتنبثق من المصالح الوطنية للدول العربية.
وهذا النهجُ بالِغُ الأهمية في اللحظة الراهنة التي يمر فيها العالَمُ بتطورات فارقة من شأنها أن تترك بصمتَها الأكيدةَ على النظام العالمي، وتفضي إلى حسم الطابع التعددي لقيادة هذا النظام بعيداً عن الأحادية القطبية التي سادته منذ تفكك الاتحاد السوفييتي وقلَّصت للغاية من حرية حركة القوى الصغيرة والمتوسطة.

وعلى الرغم من أن البعض قد سارع إلى الحديث عن «نهاية التاريخ»، وأن الولايات المتحدة قد تصرفت في العقد الأخير من القرن العشرين والأول من القرن الحالي باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في عالمنا، فغزت أفغانستان عام 2001 ثم العراق عام 2003.. إلا أنه سرعان ما بدأت عوامل التآكل في هذه البنية الأحادية تُحْدِث أثرَها سواءٌ أكانت هذه العوامل تعود إلى الولايات المتحدة ذاتها أم إلى أسباب خارجية أم إلى النوعين معاً.

فمن ناحية أفضى الاندفاع في مغامرات خارجية، مرةً بتخويل من مجلس الأمن في غزو أفغانستان عام 2001، ومرةً أخرى خروجاً على إرادته بغزو العراق عام 2003، أفضى ذلك لتداعيات واضحة. وبينما كان لغزو العراق آثارٌ سريعةٌ أظهرت بدايات المصاعب في مسيرة القطب الواحد، فإن انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان بعد 20 عاماً من غزوها، بدا وكأنه يدق المسامير الأخيرة في نعش الأحادية القطبية. ومن ناحية أخرى مثَّل استمرار الصعود الدؤوب الهادئ للصين باتجاه القمة الدولية، واستعادة القوة الروسية وحضورَها الدولي منذ وصول بوتين للسلطة في عام 2000، مثَّل مؤشراً واضحاً على اختمار عملية جديدة لنموذج قيادي مختلف.

وكأن الحرب الدائرة في أوكرانيا ليست الجولةَ الأولى في الصراع من أجل تغيير نموذج القيادة في النظام العالمي، وإنما هي الجولة الأخيرة، بل إن الأزمة الأوكرانية التي أدت إلى تفجر هذه الحرب تعتبر انعكاساً لمحاولات الولايات المتحدة الحفاظ بأي ثمن على قيادتها الأحادية للنظام العالمي على رأس التحالف الغربي، متجاهلةً حقائقَ القوة الجديدة في هذا النظام، إذ واصلت السعي بدأب لتطويق القوة الروسية تماماً كما كان الحال عقب الحرب العالمية الثانية، دون أدنى اعتبار للهواجس الأمنية لدى روسيا ومحاولاتِها المتكررة للتوصل إلى صيغة تحفظ أمن جميع الأطراف. ويفسر هذا الحدةَ الفائقة التي ميزت ردود الفعل الأميركية تجاه العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، باعتبارها المعركة الأخيرة في الصراع من أجل الحفاظ على الانفراد بالقمة. وكما كانت وما زالت الحدةُ فائقةً تجاه روسيا، كان من المتوقع أن تستمر كذلك تجاه الدول التي لا تُعَد طرفاً في الصراع. ومن هنا رأينا محاولات الضغط الأميركية على دول عدة لدفعها لتبني مواقف تساعد على هزيمة روسيا في المعركة الراهنة، حتى ولو كانت هذه المواقف تتعارض مع مصالح تلك الدول.

وقد نجحت هذه السياسة بصفة عامة مع الدول الأوروبية، رغم تضرر مصالحها من الإجراءات الأميركية على أساس أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تتعارض مع القيم الغربية وتمثل تهديداً لأمن أوروبا. أما بالنسبة للدول العربية وغيرها من الدول الأفريقية والآسيوية والأميركية اللاتينية.. فالأمر جد مختلف. ومن هنا أهمية الموقف العربي المستقل المتكاتف مع هذه الدول التي تشترك معنا في تبني مواقف لا تنبع سوى من مصالحها، والحمد لله أنه لنا من عوامل القوة ما يسمح بحماية هذه المصالح.

نقلا عن الاتحاد