السلام الشائك بين العرب وإسرائيل – الحائط العربي
السلام الشائك بين العرب وإسرائيل

السلام الشائك بين العرب وإسرائيل



هل يمكن أن يكون هناك سلام بين العرب وإسرائيل؟
سؤال مهم وقائم ومنتشر منذ بدأت حرب إسرائيل الضروس ضد الفلسطينيين والفلسطينيات، وتماديها فى الإبادة الجماعية لهم وتجويعهم وقتلهم وتشريدهم وخطط تهجيرهم سواء من غزة أو من الضفة الغربية. ويزداد السؤال إلحاحا فى ظل سيطرة نتنياهو وعصبته الإرهابية (بن غفير، ليبرمان، سموتريتش وكثيرون) على الحكم فى إسرائيل. وهم الذين يسعون إلى تفريغ فلسطين من أهلها لإنشاء دولة يهودية خالصة.

وقبل الإجابة عن هذا السؤال، هناك عدة حقائق تؤصل لأية عملية سلام بين الطرفين. فمن ناحية، إسرائيل دولة غير طبيعية، هى دولة مارقة Pariah لا تعترف بالقانون الدولى ولا بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولا تحترم المنظمات الدولية، ومن ثم لا تدخل فى مفاوضات تقتضى تنازلات متبادلة. كما أن المزاج العام لشعب إسرائيل يميل إلى مساندة حكومته المتطرفة فى عمليات القتل والإبادة والتهجير القسرى للشعب الفلسطينى بما فى ذلك شن حرب مدمرة على رفح، هذا ما رد به نتنياهو على بايدن حينما نصحه بعدم القيام بهجوم برى ضد رفح. ومن جانب آخر، سخرت إسرائيل وسائل الإعلام الصهيونية للتشكيك بوجود طرف عربى وأكيد أيضا فلسطينى يمكن الوثوق فيه للتفاوض بشأن السلام المتبادل. وبينما الدولة المارقة لا يمكن الثقة فى التزاماتها، إلا أن العرب صاروا الطرف المشكوك فيه، وهذه عقدة تسيطر على الساسة الإسرائيليين، فهم يخططون للتطبيع مع العرب دون سلام موثق. ومن جانب ثالث، فما هو الهدف من السلام؟ يرى العرب أن حل الدولتين يشكل ‫ثمن الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها، بينما ترفض إسرائيل ــ شعبا وحكومة ــ إنشاء دولة فلسطينية مستقلة على كامل الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس الشرقية، وقد تحدث علماء من قبل ومنهم «يهود» متخصصون، عن الدولة الواحدة التى تضم الشعبين الفلسطينى والإسرائيلى، والتى رفضها الجانب الإسرائيلى خوفا من غلبة الشعب الفلسطينى ومن ثم انهيار مفهوم الدولة اليهودية الخالصة، وعاد المجتمع الدولى والعرب إلى حل الدولتين والذى قد تكون ظروف التوسع والاستعمار الإسرائيلى فى الضفة، وعمليات التهجير الجارية فى غزة قد تخطته وصعبته.‬‬‬‬‬
فماذا تقول نظريات حل الصراع، وإنهاء الحروب فيما يجرى بين إسرائيل والشعب الفلسطينى؟ جميع نظريات إدارة الأزمات وحل الصراع ووقف الحروب والتحول إلى التوافق ثم السلام، وكذلك التجارب الدولية ذات الصلة تؤكد أن عملية التحول ممكنة بل حتمية حتى بشأن الصراعات الاجتماعية المعقدة والمتوالدة، والمثال الواضح فى ذلك هو التحول فى الصراع بجنوب أفريقيا من صراع متوالد ودموى إلى توافق وحل قبلته مختلف الأطراف ونتج عنه مجتمع مندمج جديد انتهت منه مظاهر التمييز العنصرى.
وعلى الرغم من أن إسرائيل تلعب مع العرب، فى إدارة الصراع، لعبة صفرية أى عدم التنازل مطلقا، والعرب يلعبون لعبة التوافق أى من الممكن التنازل، إلا أن ذلك لا يمكن أن يستمر إلى الأبد إلا إذا تطورت الحرب فى غزة إلى حرب إقليمية واسعة النطاق مدمرة، وأدت إلى هزيمة مطلقة لأحد الطرفين، ساعتها سيملى الطرف المنتصر شروطه على الطرف المنهزم الذى عليه أن يقبل من أجل البقاء، وهذا سيناريو صعب أن يتحقق نظرا لأهمية الإقليم استراتيجيا ليس للغرب والولايات المتحدة فقط وإنما أيضا للصين وروسيا واليابان والهند وغيرها، وهذه دول لا يمكن أن تسمح بتهديد مصالحها التجارية والاقتصادية والمالية فى المنطقة.
مما لا شك فيه أن عمليات الإبادة الجماعية وخصوصا قتل الأطفال والنساء وتجويعهم وتعذيبهم وإرهابهم بما فى ذلك سكان الضفة الغربية يكرس صعوبات التوصل إلى سلام بين العرب وإسرائيل، ويخلق عداءات شديدة تحتاج جهودا ضخمة من عمليات تنمية وإعادة بناء وتأهيل نفسى وسياسى قد يطول، ومن هنا كانت أهمية الأصوات المحدودة داخل إسرائيل، والمتفرقة خارج إسرائيل والتى تدعو إلى وقف إطلاق النار حرصا على توافر الحدود الدنيا للمفاوض العربى مع الطرف الإسرائيلى بشأن المستقبل.
من نافلة القول التأكيد على أن السلام بين العرب وإسرائيل يصب فى مصلحة الطرفين بشكل مباشر والإقليم بشكل عام والعالم أجمع، وعلى الرغم من أنه بعد وقف إطلاق النار يمكن أن تجتمع الأطراف للتفاوض بشأن ترتيبات السلام، وإن كانت جميع النظريات والتجارب تشير إلى أهمية وجود طرف ثالث للتقريب بين طرفى الصراع.
وفى حالتنا تلك فليس من الممكن أن تلعب الولايات المتحدة أو أوروبا هذا الدور وهم يشتركون مع إسرائيل فى حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطينى والضغط على العرب، وفى ذات الوقت لا يمكن أن تبدأ مفاوضات سلام ونتنياهو وعصبته يحكمون إسرائيل، يتطلب الأمر حكومة إسرائيلية جديدة لديها شجاعة التفاوض والرغبة فى التوصل إلى سلام مشترك، ولنتذكر تجربتى السلام المصرى الإسرائيلى، واتفاق أوسلو بين فلسطين وإسرائيل، شجاعة السادات فى الأولى وشجاعة رابين فى الثانية دفعتا إلى التوافق والاتفاق.
فى مناقشة طيبة مع علماء أمريكيين «يهود» فى أوائل الثمانينيات فى نيويورك توصلنا إلى نتيجة مهمة خلاصتها أن إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل ستكون إضافة مهمة للسلام فى المنطقة حيث إن كلا من الشعبين الفلسطينى والإسرائيلى يعرفان بعضهما البعض أكثر من الشعوب الأخرى، وأن التعايش السلمى بينهما سيضيف إلى الاستقرار والأمان لهما ولجيرانهما، ساعتها سيصير للتطبيع العربى مع إسرائيل مبرر ومعنى وفائدة متبادلة، وهكذا فإن الحرب التى تشنها إسرائيل اليوم سوف ولابد أن تنتهى، لنبدأ مرحلة من التوافق لبناء سلام يقود إلى التعاون، وهو ما يحول إسرائيل من دولة مارقة إلى دولة طبيعية.

نقلا عن الشروق