استقطاب نيابي:
التأثيرات المحتملة لنتائج الانتخابات التشريعية في لبنان

استقطاب نيابي:

التأثيرات المحتملة لنتائج الانتخابات التشريعية في لبنان



شهدت الساحة اللبنانية في الخامس عشر من الشهر الجاري، انعقاد الانتخابات التشريعية للبلاد، وهي الانتخابات التي اكتسبت أهمية متزايدة وذلك في ضوء بعض الاعتبارات، على رأسها كون هذه الانتخابات هي الأولى منذ الانتفاضة الشعبية في أكتوبر 2019، وهي الانتفاضة التي استهدفت بشكل رئيسي إزاحة النخب السياسية التقليدية عن المشهد السياسي، مما جعل بعض الدوائر تنظر إلى الانتخابات على أنها ستمثل أحد المؤشرات التي ستعكس مدى قدرة هذا الحراك في التأثير على إعادة هيكلة المشهد السياسي في لبنان.

أيضاً جاءت هذه الانتخابات في وقت يُعاني فيه لبنان من انهيار اقتصادي حاد، صنفه البنك الدولي على أنه واحد من أسوأ الأزمات الاقتصادية منذ عام 1850، حيث أصبح أكثر من 80% من سكان البلاد تحت خطر الفقر، وخسرت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها أمام الدولار، وزادت معدلات البطالة لتتجاوز نسبة 30%، فضلاً عن معاناة البلاد من شح في السيولة المالية، وقيود شديدة مفروضة على عمليات السحب من المصارف، بالإضافة لأزمة الكهرباء، وهي ظروف جعلت المجتمع اللبناني يُعاني من حالة إحباط وسخط كبير، مما دفعه إلى النظر لهذه الانتخابات على أنها قد تُمثل فرصة للدفع باتجاه الخروج من هذه الأزمات.

وبالإضافة لما سبق فإن أحد المتغيرات المهمة التي أكسبت الانتخابات التشريعية اللبنانية أهمية متزايدة، هو ذلك المتغير المرتبط باختيار تيار المستقبل وزعيمه “سعد الحريري” مقاطعة الانتخابات للمرة الأولى، وهو المُتغير الذي طرح العديد من التساؤلات التي حاولت قبيل الانتخابات الوقوف على اتجاهات التصويت المحتملة للطائفة السنية في لبنان.

أبعاد أربعة

أعلن وزير الداخلية اللبناني القاضي بسام المولوي، عن النتائج النهائية الرسمية للانتخابات النيابية، وهي النتائج التي أسفرت عن حصد التحالف الثنائي الشيعي لحزب الله وحركة أمل 31 مقعداً، والتيار الوطني الحر 18 مقعداً، وحزب القوات اللبنانية 18 مقعداً، وحزب الكتائب 4 مقاعد، وحزب الطشناق الأرمني 3 مقاعد، وحزب المردة مقعدين، فيما حصل المستقلون أو من يوصفون بـ”قوى التغيير” على 13 مقعداً، والمجتمع المدني على 12 مقعداً، فيما حصل الحزب التقدمي الاشتراكي على 9 مقاعد. وقد حملت هذه النتائج المُعلنة جملة من الدلالات التي قد تؤثر على المشهد اللبناني في المراحل المقبلة، وهو ما يُمكن تناوله على النحو التالي:

1- تراجع معدلات المشاركة السياسية: وفقاً لما أعلنته وزارة الداخلية فقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية 41%، وذلك بعد أن كانت هذه النسبة 49.7% في العام 2018، مما يعكس إحجاماً مما يزيد على نصف الشعب اللبناني عن التصويت، وتراجعاً عاماً في معدلات المشاركة السياسية، وهو مُتغير يُمكن تفسيره في ضوء عدم ثقة هذه القطاعات في النخب المُتصدرة للمشهد، سواءً النخب التقليدية أو قوى التغيير، وفشل القوى السياسية في إقناع المجتمع اللبناني بالتصويت. فضلاً عن أن مقاطعة تيار المستقبل للانتخابات، وتبني قطاعات كبيرة مؤيدة له لخيار المقاطعة؛ هو أحد الاعتبارات التي يُمكن في ضوئها تفسير الإحجام عن المشاركة.

2- تصويت عقابي ضد حزب الله: تُشير النتائج المُعلنة من قبل وزارة الداخلية اللبنانية، إلى خسارة حزب الله وحلفائه أغلبيتهم البرلمانية، وهي الأغلبية التي تقتضي حصول هذا التحالف على أكثر من 64 مقعداً من أصل 128، وكان الحزب وحلفاؤه قد فازوا في انتخابات 2018 بأغلبية 71 مقعداً، وهو مؤشر على تراجع شعبية هذا التحالف في الشارع اللبناني، خصوصاً مع تحميل حزب الله مسؤولية حالة الانسداد والأزمات التي تشهدها البلاد من قبل قطاعات لبنانية عديدة، فضلاً عن توظيف بعض الدوائر السياسية المُنافسة لحزب الله لعلاقته الارتباطية بإيران، من أجل الطعن في مشروع حزب الله السياسي، على اعتبار أنه الوكيل الإيراني على الأراضي اللبنانية.

3- حدوث تغيرات في التوجهات المسيحية: يُمثل صعود حزب القوات اللبنانية وفي المقابل التراجع النسبي للتيار الوطني الحر تعبيراً عن تغير في اتجاهات التصويت المسيحي بلبنان، وهو التغير الذي سوف تكون له تداعيات مهمة، سواءً على مستوى تذبذب وتراجع الظهير المسيحي لحزب الله ومشروعه، أو حتى على مستوى انتخابات رئيس الجمهورية اللبنانية.

4- صعود المستقلين باعتبارهم “قوى التغيير”: إحدى الدلالات المُهمة التي عكستها الانتخابات اللبنانية ونتائجها المُعلنة حتى الآن، تتمثل في صعود المستقلين أو القوى التي توصف بـ”قوى التغيير” وهو الاتجاه الذي خرج من رحم انتفاضة أكتوبر 2019، حيث حصد هذا الاتجاه 13 مقعداً، وقد خاض المستقلون الانتخابات اعتماداً على برامج وتوجهات إصلاحية، تستهدف بشكل رئيسي مُحاسبة النُخب السياسية التقليدية المُتهمة بالوقوف خلف الأزمات التي تعاني منها البلاد، وبالتالي يبدو أن قطاعات واسعة من اللبنانيين رأت أن التصويت للمستقلين سيُمثل عقاباً للنخب السياسية التقليدية، التي يُحملها اللبنانيون مسؤولية تأزم الأوضاع، فضلاً عن أن التصويت ربما يكون من النتائج التي ترتبت على غياب تيار المستقبل عن الانتخابات، وهو التيار الذي كان يحظى بـ20 مقعداً في البرلمان الماضي.

تداعيات محتملة

سوف تكون للانتخابات اللبنانية وما حملته من نتائج مجموعة من التداعيات المحتملة على المشهد اللبناني، وهو ما يُمكن بيانه على النحو التالي:

1- غياب أغلبية أو أقلية في البرلمان اللبناني الجديد، خصوصاً مع فقدان حزب الله هامشَ الأكثرية الذي كان يستغله دوماً لتمرير مشروعه، وهو أمر يعني أن البرلمان قد يُصبح ساحة للمواجهة بين قوى 8 و14 آذار، خصوصاً مع إشارة مسؤولين في حزب القوات إلى رفضهم الانخراط في حكومة يُشارك فيها حزب الله، وهي اعتبارات تُنذر بأن المشهد السياسي قد يدخل في نفق “الجمود”، بما قد يدفع باتجاه فراغ حكومي ورئاسي قريب.

2- إحداث تداعيات سلبية على الواقع اللبناني، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، في حال حدوث فراغ حكومي أو رئاسي، لا سيما وأن أحد الملفات الرئيسية التي ستركز عليها الحكومة اللبنانية المقبلة، سيكون ملف الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعيشها البلاد، والبحث عن سبل لإصلاح النظام المصرفي، وتوفير العملة الأجنبية، وتوفير السلع الأساسية للمواطنين، وبالتالي فأي تعطل في ملف تشكيل الحكومة، ستكون له تبعات سلبية على الملف الاقتصادي، بما يُعطل أيضاً من القدرة على تنفيذ الخطة الاقتصادية التي اشترطها صندوق النقد لتقديم حزم مساعدات للبنان.

3- مراجعة التيار الوطني للتحالف الذي عقده مع حزب الله منذ عام 2006، وهذه فرضية تتعزز في ضوء إشارة التيار إلى ذلك نهاية العام الماضي، وفي ضوء التراجع الكبير للتيار والذي أكدته الانتخابات بعد خسارة التيار للأغلبية المسيحية داخل المجلس.

4- ترك تداعيات محتملة على الرئاسات الثلاث، خصوصاً رئاسة الجمهورية، ولا سيما بعد الصعود الكبير الذي حققه حزب القوات اللبنانية، لكن بعض التقديرات تذهب إلى أن رئاسة مجلس النواب سوف تؤول إلى “نبيه بري” زعيم حركة أمل، وحليف حزب الله الوثيق، وذلك في ضوء عدم فوز أي مرشح شيعي من خارج تحالف الثنائي (حزب الله وحركة أمل)، حيث حافظ الثنائي على حصرية تمثيله لمقاعد المذهب الشيعي، والبالغ عددها 27، وهو ما يعني أن بري سوف يحظى بولاية جديدة كرئيس للبرلمان، فيما يظل المشهد غير واضح على مستوى رئيس الوزراء القادم، خصوصاً مع مقاطعة تيار المستقبل للانتخابات، لكن بعض التكهنات تُشير إلى احتمالية تصعيد “أشرف ريفي” المرشح الفائز عن المقعد السني في طرابلس.

دوامة الانسداد

ختاماً، يُمكن القول إن الانتخابات البرلمانية اللبنانية وإن كانت تُنذر بتغيرات محدودة على المشهد السياسي في البلاد، إلا أنها تُنذر في المقابل بانتقال الاستقطاب السياسي الذي يشهده الشارع إلى البرلمان، خصوصاً في ظل مجلس لا توجد به أغلبية، وهو اعتبار قد يُعيد البلاد إلى دوامة الانسداد السياسي.