مسارات مفتوحة:
الاتجاهات المحتملة للانتخابات المحلية في بلدية أنقرة

مسارات مفتوحة:

الاتجاهات المحتملة للانتخابات المحلية في بلدية أنقرة



تشهد الانتخابات المحلية في بلدية أنقرة، والمقرر لها نهاية مارس الجاري، تنافساً غير مسبوق بين مرشح العدالة والتنمية، ورئيس البلدية الحالي منصور يافاش المحسوب على المعارضة التركية. ومع تصاعد زخم الحملة الانتخابية داخل البلدية، يخوض المرشحون معركة كسر عظم للفوز بالعاصمة، فبينما يتمسك يافاش بحسم البلدية، ففي المقابل يواصل مرشح الحزب الحاكم “تورغوت ألتينوك” لتعزيز حضوره أوساط القواعد الانتخابية في البلدية للحصول على الدعم، وخاصة بين المحافظين والمتحالفين مع السلطة الحاكمة.

ومن الجدير بالذكر أن أردوغان أعلن، في 18 يناير الماضي، عن ترشيح “تورغوت”، في دلالة على حرص الرئيس التركي على استعادة البلدية من حزب الشعب الجمهوري الذي وصفه أردوغان خلال مؤتمر الإعلان عن مرشح حزبه لبلدية أنقرة، “بأنه رهينة للقوى الإمبريالية والإرهابية”، وأضاف أن “ثاني أكبر حزب في بلادنا، حزب الشعب الجمهوري، يتصرف كأنه خادم للإمبريالية”.

سياقات ساخنة

تأتي الانتخابات البلدية في أنقرة في ظل سياقات مغايرة تشهدها الحياة السياسية التركية، والتي تنعكس على معركة أنقرة، في الصدارة منها، تفكّك تحالف الأمة المعارض أو ما عُرف بــ”الطاولة السداسية” التي تشكلت في فبراير 2022، وضمت 6 أحزاب معارضة، بسبب اتساع حدة الخلافات فيما بينها بعد خسارة الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في مايو الماضي، حيث أعلنت أحزاب المعارضة خوض سباق الانتخابات البلدية المقبلة بشكل منفرد.

على صعيد متصل، تأتي الانتخابات المحلية بالتزامن مع توترات كامنة تحت السطح داخل حزب الشعب الجمهوري، وتجلى ذلك في تصاعد الخلاف بين رئيس الحزب الجديد أوزغو أوزيل، والقيادي داخل الحزب أكرم إمام أوغلو الذي يمسك بمفاصل جانب معتبر من هياكل الشعب الجمهوري بعد رحيل كليجدار أوغلو، ووصل التوتر إلى الذروة بين أوزيل وأوغلو بشأن تحديد المرشحين للانتخابات المحلية في عدة مناطق، وهو ما ألقى بظلال سلبية على الحزب، كشف عنها توجيه انتقادات غير مسبوقة لسياسات الحزب من قواعده الانتخابية.

بالتوازي، تتزامن الانتخابات البلدية مع تصدع لا تخطئه عين داخل تحالف الشعب الذي يقوده حزب العدالة والتنمية، بعد انسحاب حزب “الرفاه من جديد” الذي يقوده نجل أربكان من تحالف الجمهور الانتخابي، وأنه لن يدعم مرشحي حزب العدالة والتنمية في أي من المدن التركية، وبخاصة أنقرة وإسطنبول وإزمير. كما قرر الحزب خوض الانتخابات المحلية منفرداً، وتقديم مرشحين له في كل المحافظات.

خلف ما سبق، فإن الاقتراع المحلي الحالي يتزامن مع تحولات كبيرة في استراتيجيات الأحزاب التركية على اختلاف اتجاهاتها وتوجهاتها، إذ أبدى قطاع واسع من الأحزاب الرغبة في خوض الانتخابات بشكل مستقل بدلاً في الانخراط في التحالفات الانتخابية التي كان مردودها السياسي محدوداً في غالبية الاستحقاقات السياسية، وهو ما يعكس رغبة في تعزيز الهويات السياسية الحزبية. وتجدر الإشارة هنا إلى إعلان حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب” (الجناح السياسي للأكراد) خوض الانتخابات منفرداً دون أي تحالف، حيث رشح الحزب عدداً واسعاً من عناصره للمنافسة على رئاسة بلديات جنوب شرق تركيا حيث الغالبية الكردية، كما قرر الحزب الدفع بمرشح على رئاسة بلدية إسطنبول.

بالإضافة إلى ما سبق، فإن الانتخابات المحلية التركية تأتي في ظل استمرار تراجع مؤشرات الاقتصاد، فضلاً عن تصاعد حدة الاستقطاب السياسي، ولذلك ركزت الحملات الانتخابية للمرشحين، وبخاصة في البلديات الكبيرة مثل أنقرة، على قضايا الاقتصاد، واللاجئين، والحوكمة المحلية، والسياسات الاجتماعية.

اتجاهات محتملة

في ضوء سخونة المشهد الانتخابي في بلدية أنقرة، ودخول المناخ مرحلة الشحن في العاصمة بين مرشح الشعب الجمهوري منصور يافاش ومنافسه المحسوب على الحزب الحاكم، فإن ثمة اتجاهات محتملة لمستقبل العملية الانتخابية في أنقرة، وهو ما يمكن بيانه كالتالي:

1- فوز منصور يافاش الرئيس الحالي للبلدية: على الرغم من دعم الرئيس التركي لمرشح العدالة والتنمية على مقعد بلدية أنقرة، إلا أن ذلك لا يعني تراجع فرص فوز رئيس البلدية الحالي منصور يافاش، المحامي والسياسي وأحد أقطاب المعارضة، حيث كان يُنظر إليه قبيل الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في مايو الماضي، على أنه أحد المنافسين المؤهلين لمواجهة الرئيس.

بالتوازي، يحظى يافاش وفقاً للعديد من استطلاعات الرأي بشعبية واسعة ليس في أنقرة فقط، وإنما في عموم تركيا، حيث يتمتع بصورة ذهنية جيدة لدى قطاعات شعبية واسعة بسبب ابتعاده عن التجاذبات السياسية التي شهدتها الساحة التركية في السنوات الأخيرة، ناهيك عن إظهاره قدرة لافتة على الاستجابة للتعامل مع القضايا المحلية المحلية التي تمس سكان أنقرة، ونجاحه في معالجة جانب منها.

ورغم تفكك تحالف المعارضة “الطاولة السياسية” إلا أن يافاش يحظى برصيد وافر أوساط قطاعات انتخابية واسعة لا تقتصر على قواعد الشعب الجمهوري، إذ يتمتع بحضور أوساط التيار القومي، وحتى بين بعض المنتمين للحزب الحاكم بعد أدائه غير المسبوق في إدارة ومعالجة تحديات بلدية أنقرة المحلية.

2- نجاح مرشح الحزب الحاكم في حسم معركة أنقرة: يمتلك تورغوت ألتينوك مرشح العدالة والتنمية حظوظاً لافتة للفوز ببلدية أنقرة، وثمة العديد من الاعتبارات التي تعزز فوزه، أولها: جذوره العائلية وحضور السياسي في أنقرة، فهو مواليد أنقرة ونشأ فيها، وجاءت انطلاقته السياسية منها. وثانيها: سعي العدالة والتنمية للاستفادة من انتهاء تحالف “الأمة” المعارض الذي لعب دوراً محورياً في عملية التحشيد الانتخابي لمرشح الشعب الجمهوري في الانتخابات البلدية 2019. وثالثها: تصاعد فرص تصويت القوميين لمرشح العدالة والتنمية، بالنظر إلى خلفية تورغوت ألتينوك القومية، حيث تولى في وقت سابق رئاسة فرع حزب الحركة القومية في إقليم كيتشيورين، كما شغل منصب نائب الأمين العام للحركة القومية بعد الانقلاب العسكري في عام 1980. ورابعها: تراجع فرص تصويت الأكراد لمصلحة مرشح المعارضة، خاصة أن “يافاش” معروف بأفكار العنصرية ضد الأكراد. وخامسها: تصاعد فرص تصويت أنصار الأحزاب الصغيرة الشريكة للعدالة والتنمية، أو القريبة من أيديولوجيته للتصويت لمصلحة تورغوت ألتينوك.

3- الذهاب لجولة إعادة بين مرشحي الحكومة والمعارضة: في ظل ارتكاز مرشح العدالة والتنمية، ورئيس البلدية الحالي منصور يافاش على قاعدة انتخابية معتبرة، وحضور شعبي وسياسي لافت داخل البلدية، وتوازن نقاط القوة لديهما؛ يُرشح أن تشهد انتخابات بلدية أنقرة جولة إعادة، خاصة أن أياً من المرشحين ربما لا يتمكن من حسم المشهد الانتخابي داخل البلدية من الجولة الأولى. ويرجح هذا السيناريو تقارب نسب التأييد لكلا المرشحين في استطلاعات الرأي التي أُجريت في الفترة الأخيرة، بالإضافة إلى قدرتهما على تعبئة جبهات انتخابية واسعة.

4- فوز أحد مرشحي الأحزاب الصغيرة: تعد بلدية أنقرة من أكبر المدن التي سيتنافس فيها المرشحون على رئاسة البلدية، حيث بلغ عددهم وفقاً لإحصاء الهيئة العليا للانتخابات الصادر في 6 مارس الجاري، 24 مرشحاً، بواقع 19 ينتمون للأحزاب السياسية، بالإضافة إلى 5 مستقلين. ومع دخول المناخ مرحلة الشحن بين مرشح الشعب الجمهوري ومنافسه مرشح العدالة والتنمية، ودخول المعركة الانتخابية مرحلة كسر عظم، في ظل التصريحات والتصريحات المضادة، فربما يوفر مناخ الاستقطاب الراهن فرصة لأحد ممثلي الأحزاب الصغيرة لاستثمار العنف بين يافاش وتورغوت، لتشويه صورتيهما بين أوساط القواعد الشعبية لبلدية أنقرة، واستثمار العنف والعنف المضاد بينهما للفوز بالبلدية. غير أن هذا السيناريو يظل ضعيفاً بالنظر إلى ضعف شعبية مرشحي الأحزاب الصغيرة والمستقلين، بالإضافة إلى ضعف الموارد المالية لهذه الأحزاب، والتي تمثل مانعاً أمام تنفيذ حملة دعائية في عموم أنقرة.

تغيير توازنات

ختاماً، يمكن القول إن الانتخابات المحلية في تركيا تمثل أولوية استراتيجية للقوى السياسية في تركيا في التوقيت الراهن، وبخاصة في البلديات الكبيرة، منها العاصمة التي يسعى الحزب الحاكم إلى استعادتها بعدما خسرها في العام 2019. لذلك، فإن معركة أنقرة يتوقع أن تكون حامية الوطيس بسبب توازن القوى بين منافس العدالة والتنمية ونظيره مرشح الشعب الجمهوري. بيد أن الفوز بأنقرة ربما يسفر عن تغيير التوازنات المحلية، ويعيد رسم خارطة الحضور السياسي في عموم تركيا.