إنهاء إرث الربيع العربى – الحائط العربي
إنهاء إرث الربيع العربى

إنهاء إرث الربيع العربى



اثنا عشر عاما مرت على بدء ما عُرف بظاهرة الربيع العربى. مازالت هذه الظاهرة موضوع جدل كبير، ومازال البعض يختزلها فى الأهداف والشعارات النبيلة التى طرحها الشارع فى عدد من الدول العربية، وعلى رأسها الديمقراطية، والحياة الكريمة، والعدالة الاجتماعية، وهى أهداف لا خلاف على أهميتها ومشروعيتها كقيم وأهداف عليا، لكن تظل القضية الخلافية تتعلق بالمسارات التى سلكتها المجتمعات العربية التى مثلت جزءا من ظاهرة الربيع العربى، والأدوات التى استخدمتها للوصول إلى هذه الأهداف.

لقد أنتج الربيع العربى العديد من الظواهر التى كبدت الدولة والمجتمعات العربية تكاليف ضخمة، سياسية واقتصادية وأمنية بل وثقافية أيضا. أبرز هذه التكاليف خطورة تمثل فى صعود التنظيمات الإرهابية التى نجحت فى الهيمنة على السلطتين التنفيذية والتشريعية لفترة (مصر)، والهيمنة على السلطة التشريعية (تونس)، وصعود الميليشيات العسكرية والدينية (سوريا، ليبيا، اليمن)، وانهيار الدولة والدخول فى حروب أهلية (سوريا، ليبيا، اليمن)، وما تبع ذلك من تصاعد موجات ضخمة من النازحين واللاجئين، وتصاعد سياسات التدخل الدولى والإقليمي.

لقد نجحت بعض هذه الدول فى بدء مسار تصحيحى معاكس لمسار هذا الربيع مثل مصر، وتونس إلى حد ما، عبر مشروع وطنى داخلي. وبينما نجح النظام السورى فى الحفاظ على الدولة السورية فى مواجهة المشروع الإرهابى/ الميليشياوى، لكن جاء هذا بثمن باهظ، خاصة إذا حُسب هذا الثمن بحجم النفوذ الدولى والإقليمى داخل سوريا، وتكلفة السيادة، بجانب التكاليف الاقتصادية والبشرية. وعلى مستوى الإقليم، تضاعف حجم تدخل القوى الكبرى ودول الجوار الإقليمى، بما فى ذلك التدخل العسكرى، سواء بغطاء أممى أو بدون هذا الغطاء.

الآن يمكن رصد اتجاه/ مشروع عربى تحت عنوان ما يمكن وصفه بإنهاء إرث الربيع العربي. المقصود هنا بالتأكيد ليس إنهاء القيم المهمة التى تاقت إليها المجتمعات العربية، لكن المقصود هو إنهاء المكونات السلبية من هذا الإرث. المثال الأبرز على هذا التوجه هو الجهود الدبلوماسية العربية الكثيفة التى قادتها مصر والمملكة العربية السعودية والعراق والأردن لإعادة سوريا إلى إطارها العربى، والتى انتهت بقرار وزراء الخارجية العرب فى السابع من مايو الحالى بإنهاء تجميد عضوية سوريا بجامعة الدول العربية. الأمر يتجاوز مجرد قرار إنهاء حالة التجميد تلك، لكنه جزء من عملية عربية لمعالجة للعديد من مكونات الإرث الخطير للربيع العربى، خاصة ظواهر الإرهاب، والميليشيات العسكرية، واللاجئين والنازحين، وتجارة المخدرات، حيث مثلت الحالة السورية هنا مثالا بارزا لارتباط الربيع العربى بكل هذه الظواهر وغيرها. عودة سوريا إلى مقعدها بالجامعة هو مدخل مهم وضرورى أيضا لمساعدة النظام السورى على تفكيك بؤر النفوذ الدولى والإقليمى داخل سوريا.

الحالة السورية حالة كاشفة عن هذا الاتجاه/ المشروع العربى لمعالجة هذا الإرث الخطير، لكنها يجب ألا تكون الوحيدة؛ إذ مازالت جهود ضخمة مطلوبة فى حالتى ليبيا واليمن. وإذا كان النظام السورى قد استطاع الانتصار لهدف حماية الدولة السورية فى مواجهة المشروع الإرهابي/ الميليشياوى (رغم الأثمان التى دُفعت) فإن أى معالجة عربية للحالتين الليبية واليمنية يجب أن تقوم على هذا الأساس أيضا. هذا التوجه/ المشروع العربى يجب أن يمتد كذلك لطريقة معالجة الأزمة السودانية الراهنة؛ إذ لا يمكن الحديث عن دولة سودانية حقيقية بدون الانتصار لمفهوم الدولة نفسه الذى يقتضي- بلا أى مواربة- وحدة المؤسسة العسكرية وغياب المشروعات الميليشياوية أيا كان أساسها أو طبيعتها. المصالح الخارجية مع السودان – بما فى ذلك المصالح العربية- يجب أن تنتظم مع، ومن خلال، مؤسسات الدولة السودانية فقط باعتبار ذلك مدخلا مهما لتكسير مصادر قوة الفاعلين من غير الدولة.

هذا الاتجاه/ المشروع العربى هو خلاصة خبرة اثنى عشر عاما مع هذا الربيع، تباينت فيها خبرات وتكاليف الدولة والمجتمعات العربية مع هذه الظاهرة. اللحظة ربما تكون الآن مواتية لتعميق وتسريع الاتجاه المعاكس لهذا الإرث. لا يستند هذا الاتجاه/ المشروع العربى إلى قوة الدفع التى توفرها هذه الخبرات السلبية مع إرث الربيع، بقدر ما توفرها أيضا طبيعة اللحظة الراهنة فى النظام العالمى والتى تتسم بدرجة كبيرة من السيولة الدولية، والتى تسمح للقوى العربية الرئيسية بالعمل على إعادة امتلاك زمام السياسات الرئيسية بالإقليم، وفى وقت تواجه فيه قوى الجوار الإقليمى العديد من المشكلات الداخلية.

هذا التوجه العربى لا يعنى بحال من الأحوال أن الدول الرئيسية بالإقليم بات لديها مشروع ضد الديمقراطية أو الحياة الكريمة أو العدالة الاجتماعية، وهى الشعارات التى ارتبطت بهذا الربيع العربى، لكن الوصول إلى تلك الأهداف لا يمكن أن يتم من خلال هدم الدول والمؤسسات أو على حسابها، فالوصول إلى هذه الأهداف له طرق أخرى، وهو ما يعطى رصيدا إضافيا لمنهج التغيير عبر الإصلاح وليس عبر الثورات، أو هكذا على الأقل قالت الخبرات العربية خلال الإثنى عشر عاما الماضية.

نقلا عن الأهرام