المُفسِدون:
أسباب تزايد الاهتمام بتأثير “مُعرقِلي الانتخابات” في المنطقة العربية

المُفسِدون:

أسباب تزايد الاهتمام بتأثير “مُعرقِلي الانتخابات” في المنطقة العربية



رغم مراهنة اتجاهات عديدة على الانتخابات كأداة لتجاوز الأزمات السياسية في عدد من الدول العربية، فقد بدت ظاهرة “مُفسِدي الانتخابات” Spoilers عاملاً ضاغطاً على المسار السياسي في أكثر من دولة. وبدلاً من أن تكون الانتخابات جزءاً من تسوية الأزمات أصبحت- في بعض الأحيان- مُحفِّزاً لصراعات سياسية حادة. واتخذ هذا النمط من عرقلة الانتخابات تجليات رئيسية في المنطقة، بعضها كان سابقاً على إجراء الانتخابات، مثلما هو الحال في ليبيا ولبنان حيث تتصارع القوى السياسية على القوانين والإجراءات المُنظِّمة للانتخابات، والبعض الآخر كان تالياً للانتخابات مثلما هو الحال في العراق حيث اعترضت بعض القوى السياسية على نتائج الانتخابات ولجأت إلى حشد الشارع ضد هذه النتائج التي لم تكن في صالحها. وفي خضم هذه المعطيات، كان للخارج تأثير في ظاهرة عرقلة الانتخابات وخاصة مع ما أنتجته سنوات الصراع في المنطقة من شبكات وكالة تربط بين مجموعة من الفاعلين المحليين وبعض الأطراف الإقليمية.

ظاهرة متصاعدة

كشف مؤتمر باريس بشأن ليبيا، الذي عقد في 12 نوفمبر الجاري، عن تصاعد الإشكاليات الناجمة عن ظاهرة “مُفسِدي ومُعرقِلي الانتخابات”، حيث أكد بيان المؤتمر على ضرورة التزام كافة الأطراف بالجدول الزمني للانتخابات الرئاسية والتشريعية، كما هدد من يحاولون عرقلة الانتخابات والانتقال السياسي في البلاد بأنهم “سيحاسبون وقد يواجهون عقوبات من الأمم المتحدة”، وهو ما اعتبر ضغطاً دولياً على القوى التي أعلنت رفضها إجراء الانتخابات وفقاً للقوانين والضوابط التي تم إقرارها.

ولم تكن ليبيا حالة استثنائية في هذا السياق، فخلال الشهور الماضية تصاعدت حدة الخلافات داخل لبنان وخاصة بعد القانون الانتخابي الذي أقره مجلس النواب في 19 أكتوبر الفائت، بعد إدخال بعض التعديلات وأهمها تقديم إجراء الانتخابات النيابية لتصبح في 27 مارس 2022، بدلاً من مايو 2022، وكذلك تصويت المغتربين لـ128 نائباً.

وشهدت الانتخابات العراقية التي أجريت في 10 أكتوبر الفائت بروز عدد من الأطراف المُعرقِلة والمُعترِضة على نتائجها، إذ لم تكتف هذه الأطراف بإصدار بيانات رافضة لنتائج الانتخابات، ووصفها بالبطلان والتزوير، وإنما لجأت إلى الشارع والحشد المضاد للانتخابات، حتى أن هذه القوى كونت ما يعرف بـ”اللجنة التحضيرية للتظاهرات الرافضة لنتائج الانتخابات في بغداد والمحافظات”، فضلاً عن التقارير التي تتحدث عن تورط بعض القوى المُعترِضة على نتائج الانتخابات في أحداث عنف كان آخرها محاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، في 7 نوفمبر الحالي.

مُحفِّزات رئيسية

ترتهن ظاهرة عرقلة وإفساد الانتخابات بعدد من المُحفِّزات الرئيسية، بعضها يتصل بديناميات العلاقة بين الفواعل السياسية الداخلية في بعض الدول العربية، والبعض الآخر يرتبط بحضور العديد من الأطراف الإقليمية في المعادلات السياسية الداخلية في هذه الدول، وبالتالي التأثير على الاستحقاقات السياسية، ويمكن تناول ذلك على النحو التالي:

1- التداعيات المحتملة لتسوية الصراعات: طُرحِت الانتخابات، في بعض دول المنطقة، باعتبارها جزءاً من تسوية الصراعات، وهو ما أكسب ظاهرة “المُفسِدين” Spoilers المزيد من الزخم، حيث يعبر المُفسِدون، سواء للتسوية السياسية بشكل عام أو للانتخابات كأحد محاورها، عن القوى التي تعتقد أن السلام المنبثق عن مفاوضات واتفاق التسوية، وكذلك نتائج الانتخابات والاستحقاقات السياسية، يهدد مصالحها ونظرتها إلى الصراع، ومن ثم، قد يلجأون إلى أدوات عديدة لتقويض المسار السياسي.

ويظهر هذا النمط، على سبيل المثال، في الحالة الليبية، إذ أن أغلب القوى الرافضة لإجراء الانتخابات، في 24 ديسمبر القادم وفقاً للقوانين التي أقرها مجلس النواب، محسوبة على غرب ليبيا، وتنظر إلى الانتخابات، بشكل أو بآخر، من منظور صراعها مع الشرق الليبي، كما رأت بعض هذه القوى أن إجراء الانتخابات يمكن أن يمنح النفوذ السياسي لبعض الشخصيات، من معسكر شرق ليبيا، وهو ما سيؤدي إلى الانتقاص من نفوذها ومصالحها. وعبّر عن هذه التوجهات رئيس مجلس الدولة في طرابلس خالد المشري، الذي يعد من أبرز المعارضين لإجراء الانتخابات الرئاسية، حيث قال في 10 أكتوبر الفائت، أن “الانتخابات الرئاسية ليست حلاً في هذه الظروف، والحل حالياً هو انتخاب مجلس نواب جديد، بديلاً لمجلسى النواب والدولة”.

2- التوازنات السياسية الجديدة بعد الانتخابات: ويبدو ذلك بوضوح في حالة العراق بعد إجراء الانتخابات التشريعية، في 10 أكتوبر الفائت، إذ لجأت العديد من القوى التي حققت نتائج هزيلة في الانتخابات إلى خطاب تصعيدي رافض للعملية السياسية برمتها، وظهرت إرهاصات هذا الخطاب، في 11 أكتوبر الفائت، حينما أصدرت قوى “الإطار التنسيقي”، التي تشمل القوى الرافضة لنتائج الانتخابات ومن أبرز مكوناتها تحالف “الفتح”، بياناً قالت فيه: “قدمنا جميع الملاحظات الفنية (على عملية الاقتراع) إلى مفوضية الانتخابات، وقد تعهدت المفوضية بمعالجة جميع تلك الإشكالات بخطوات عملية، لكن (المفوضية) لم تلتزم بجميع ما تم الإعلان عنه من قبلها من إجراءات قانونية، وبناءً على ذلك، نعلن طعننا بما أعلن من نتائج وعدم قبولنا بها وسنتخذ جميع الإجراءات المتاحة لمنع التلاعب بأصوات الناخبين”.

وسرعان من لجأت هذه القوى إلى حشد الشارع كأداة للضغط على السلطة، وربما تفجير العملية السياسية بالكامل، ففي 5 نوفمبر الجاري، تصاعدت حدة الأحداث حينما دفعت القوى المعارضة أنصارها نحو المنطقة الخضراء، وهو ما أفضى إلى اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن لتخرج بعدها ما يطلق عليه “اللجنة التحضيرية للتظاهرات الرافضة لنتائج الانتخابات في بغداد والمحافظات” وتُحمِّل الحكومة مسئولية الاشتباكات، وذكرت اللجنة، في بيان لها في اليوم التالي، أن “ما حصل من تزوير في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بإشراف الكاظمي قد لاقى رفضاً شعبياً بمختلف الفعاليات من اعتصامات وتظاهرات سلمية، ومنها تظاهرات أمس في تسع محافظات بالبلاد”، وأضاف البيان: “غير أن المتورطين بالتزوير ومن يقف خلفهم لم يستمعوا إلى صوت الحق بل وتمادوا ضد التظاهر السلمي بإعطاء الأوامر لإطلاق النار الحى تجاه المحتجين العزل في بغداد”.

3- حسابات ومصالح الأطراف الإقليمية: تبدو عرقلة الانتخابات في المنطقة امتداداً لمعطيات الصراعات التي اندلعت خلال السنوات الماضية وأفضت إلى سياقات معقدة يشتبك بداخلها الفاعلون الداخليون، المنخرطون بشكل مباشر في الصراعات، والفاعلون الخارجيون. فالعديد من الصراعات باتت تنطوي على امتدادات خارجية، حيث يسعى كل طرف إلى الحصول على الدعم الخارجي من فاعلين يبحثون عن مصالحهم الإقليمية، وهذا التداخل يفرض عدداً من التحديات على مسار ما بعد التسوية، لأن القوى الإقليمية قد لا تتقبل اتفاق التسوية، والانتخابات والاستحقاقات السياسية المتصلة بها، طالما لا تتوافق مع مصالحها المتصورة، وبالتالي ستلجأ إلى الضغط على حلفاءها الداخليين، وتقدم الدعم لهم، للاستمرار في استخدام العنف وتقويض خيار التسوية السلمية.

لقد ظهرت مؤشرات الدور الخارجي في تقويض مسار الانتخابات في عدد من الحالات، ربما أهمها حالتى العراق وليبيا، فثمة تقارير تتحدث عن تورط إيران في الاحتجاجات المضادة لنتائج الانتخابات ولاسيما أن هذه الانتخابات كان لها تأثير سلبي على العديد من القوى السياسية المتحالفة مع طهران، ومن ثم، يبدو أن تقويض وإفساد الانتخابات أداة للحفاظ على النفوذ والمكاسب السياسية لإيران وحلفاءها. كما أن ربط ملف الانتخابات في ليبيا بتنفيذ خطة قائمة لسحب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، ربما يكون قد حفَّز بعض الأطراف الإقليمية، وخاصة تركيا، على عرقلة الانتخابات، تخوفاً من أن تؤدي إلى تراجع نفوذ القوى المتحالفة معها.

4- تصاعد حدة التوتر السياسي: ترتبط ظاهرة عرقلة الانتخابات في الحالة اللبنانية بمعضلة التوازنات السياسية التي تفرض حالة من التوتر السياسي المستمر، فعقب الموافقة على القانون الانتخابي من قبل مجلس النواب، أبدت بعض القوى السياسية، وعلى وجه التحديد، “تكتل لبنان القوي” برئاسة النائب جبران باسيل، اعتراضها عليه، لاسيما ما يتعلق بتبكير موعد إجراء الانتخابات ليصبح في مارس 2022 بدلاً من مايو من العام نفسه.

كما رفض الرئيس اللبناني ميشال عون التصديق على القانون، وأصدرت الرئاسة بياناً، في 22 أكتوبر الفائت، قالت فيه أن “الرئيس عون استند في خطوته إلى دراسات قانونية ودستورية وعدة قرارات صادرة سابقاً عن المجلس الدستوري ومواد من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لشرح المخالفات التي يتضمنها القانون المذكور، خاصة لناحية تقصير المهلة الدستورية لموعد إجراء الانتخابات، وما يمكن أن تتسبب به من عدم تمكن ناخبين من ممارسة حقهم الانتخابي، بسبب العوامل الطبيعية والمناخية التي غالباً ما تسود في مارس، ولاسيّما في المناطق الجبلية والجردية، والتي قد تعيق انتقال الناخبين إلى مراكز اقتراعهم في تلك المناطق، فضلاً عن التكاليف المرتفعة، وعدم إمكانية تزوّد المراكز بالطاقة الكهربائية العادية المحرزة أو البديلة”، وأضاف البيان “أن تقصير المهل من شأنه أن يحول دون تمكن الناخبين المقيمين خارج لبنان من ممارسة حقهم السياسي المحفوظ في القانون الانتخابي الراهن بأن يقترعوا لممثلين لهم في الدائرة الانتخابية المخصصة لغير المقيمين في الدورة الانتخابية التي نحن على مشارفها، كما أن هذا القانون يحرم من حق الانتخاب 10685 مواطناً ومواطنة من جميع الطوائف، يبلغون سن الـ21 في الفترة بين أول فبراير والثلاثين من مارس 2022”.

ربما تكون قضية مشاركة المغتربين في العملية الانتخابية واحدة من قضايا الصراع السياسي الرئيسية بين القوى السياسية، فثمة فريق يرى ضرورة إشراك المغتربين باعتبارهم فاعلاً هاماً ويمكن أن يكون له تأثير على التوازنات السياسية القائمة، بينما يدفع فريق آخر نحو استبعادهم باعتبار أن اتجاهاتهم التصويتية ليست مرتبطة بالتوازنات السياسية الداخلية وقد تؤثر على مواقع بعض القوى الرئيسية.

مسار قائم

ختاماً، من المحتمل أن تستمر ظاهرة “مُعرقِلي الانتخابات” في بعض دول المنطقة استناداً إلى الملامح التي تشكلت في السنوات الماضية جراء الصراعات الحادة التي شهدتها أكثر من دولة، والتي أفضت إلى تشابكات الداخل والخارج، فضلاً عن اتساع نطاق نفوذ عدد من الفاعلين عبر أدوات الصراع العنيفة، وبالتالي قد لا يتنازل بعض هؤلاء الفاعلين عن مكاسبهم بالموافقة على انتخابات ربما تنتج عنها هزيمة سياسية لهم.