تحركات جديدة:
أسباب التصعيد “الداعشي” في أفريقيا

تحركات جديدة:

أسباب التصعيد “الداعشي” في أفريقيا



شهدت مناطق ارتكاز تنظيم “داعش” في أفريقيا تنامياً ملحوظاً في عدد العمليات الإرهابية التي نفذها التنظيم منذ منتصف سبتمبر الماضي، حيث تمكن من شن ما يقرب من 101 عملية إرهابية في الفترة من 15 سبتمبر إلى 15 نوفمبر الجاري، وهو ما يجعل أفريقيا تحتل المرتبة الأولى في عدد العمليات الإرهابية التي نفذها التنظيم خلال الفترة نفسها مقارنة بباقي أفرع التنظيم. فخلال الأسبوع الفائت، تمكن “داعش” من تنفيذ سلسلة من العمليات الإرهابية النوعية ضد القوات العسكرية والأمنية في الكونغو وموزمبيق، بجانب الهجوم على قوات الأمن النيجيرية، مع تصاعد العمليات الإرهابية بشكل ملحوظ في الصومال، على نحو يطرح العديد من التساؤلات حول أسباب التصعيد “الداعشي” في أفريقيا خلال الفترة الحالية.

اعتبارات عديدة

يمكن تفسير حرص تنظيم “داعش” على تصعيد حدة عملياته الإرهابية في القارة الأفريقية في ضوء اعتبارات عديدة، يتمثل أبرزها في:

1- الرد على مقتل الصحراوي والبرناوي: يسعى التنظيم عبر رفع مستوى العمليات الإرهابية التي نفذها خلال الشهرين الماضيين إلى الرد على الضربات الأمنية التي تعرض لها وأسفرت عن مقتل بعض قادة فرعيه في منطقة الصحراء الأفريقية وغرب أفريقيا، حيث تمكنت القوات العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي، في 16 سبتمبر الماضي، من قتل قائد تنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى عدنان أبو الوليد الصحراوي، أعقبها عملية نوعية قام بها الجيش النيجيري، في 15 أكتوبر الفائت، وأدت إلى مقتل أبو مصعب البرناوي مسئول فرع تنظيم “داعش” في غرب أفريقيا، وهو ما فرض ضغوطاً قوية على “داعش” في أهم فرعين تابعين له في منطقتى الصحراء الأفريقية وغرب أفريقيا، على نحو دفع التنظيم المركزي إلى تكثيف عملياته الإرهابية لتحقيق هدفين: أولهما، منع حدوث أى انقسام بين قواعد التنظيم بفرع غرب أفريقيا وفرع الصحراء لحين حسم القيادة الجديدة. وثانيهما، محاولة رفع كُلفة تلك العمليات الأمنية التي تقوم بها القوى المعنية بالحرب ضده في تلك المناطق.

2- تبني توجهات مضادة لتنظيم “القاعدة” في أفريقيا: كان لافتاً أن تنامي العمليات الإرهابية التي يقوم بها تنظيم “داعش” في أفريقيا يأتي في وقت بدأ تنظيم “القاعدة” في منطقة الساحل الأفريقي في إجراء حوار مع الحكومة المالية، حيث أعلن المجلس العسكري المالي المعني بإدارة شئون البلاد، في 20 أكتوبر الفائت، عن تكليف المجلس الأعلى الإسلامي في مالي بالتفاوض مع عدد من الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها جماعتى “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب العربي”، و”جبهة تحرير ماسينا”، على أن يشارك في الحوار المجلس الأعلى الإسلامي نيابة الدولة. وهنا، فإن تنظيم “داعش” يحاول استغلال هذا التطور للترويج لتوجهاته، باعتباره- حسب مزاعمه- “تنظيماً يدافع عن مسار الجهاد”، بما يمكنه- طبقاً لرؤية قيادته- من السيطرة على التنظيمات “التكفيرية” في أفريقيا، في ظل حرصه على وصف تنظيم “القاعدة” بأنه “جماعة مرتدة”، ما يعني إمكانية نجاح تنظيم “داعش” في استقطاب المزيد من العناصر “القاعدية” المعترضة على إجراء حوار بين جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” والحكومة المالية، على نحو يمكن أن يعزز من مكانة تنظيم “داعش” في أفريقيا. 

3- استغلال تأزم الموقف السياسي في الصومال: مع تصاعد حدة الصراع السياسي في الصومال بين رئيس الدولة محمد عبد الله فرماجو والحكومة برئاسة محمد حسين روبلي، لاسيما حول توقيت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية من جانب، واتساع نطاق العمليات العسكرية الأمريكية والصومالية ضد حركة “شباب المجاهدين” التابعة لتنظيم “القاعدة” في الصومال من جانب آخر، بدأ تنظيم “داعش” في استغلال هذا الوضع المتأزم لتكثيف عملياته الإرهابية خلال الشهرين الماضين، في محاولة لتعزيز نفوذه مرة أخرى في الصومال، بعد مرحلة من الضعف بدت جلية في تراجع عدد العمليات الإرهابية التي قام بتنفيذها.

4- استباق التراجع الفرنسي في منطقة الساحل: تراجع الدور العسكري الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي بشكل ملحوظ خلال العام الجاري، والذي تأثر، بشكل مباشر، بتخفيض عدد القوات العسكرية الأمريكية المنخرطة في عمليات مكافحة الإرهاب بالمنطقة، وهو ما انعكس في تصريحات الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، خلال قمة الساحل الأفريقي في 9 يوليو الماضي، حيث أعلن أن “فرنسا ملتزمة بأمن دول الساحل الأفريقي ومكافحة الإرهاب”، لكنه أكد على أن وجود بلاده في هذه المنطقة “لن يستمر إلى الأبد”. وأعقب هذا التصريح إعلان وزارة الدفاع الفرنسية، في 16 سبتمبر الماضي، بدء عملية إعادة تنظيم جيشها وتقليص عدد أفراده في منطقة الساحل الأفريقي. ووفقاً لتقارير عديدة، فإن عدد القوات الفرنسية المنتشرة في منطقة الساحل سوف يتراجع من أكثر من 5 آلاف عنصر حالياً إلى ما يتراوح بين 2500 و3000 عنصر بحلول عام 2023، على أن يتم سحب 1000 عنصر من تلك القوات بحلول مارس القادم. ومن دون شك، فإن هذا التحول الملحوظ في الموقف الفرنسي كان محط متابعة من جانب تنظيم “داعش”، الذي سعى إلى استغلاله من خلال تكثيف عملياته الإرهابية وتعزيز قدرته على ملء أى فراغ محتمل قد ينتج عن ذلك في المرحلة القادمة.

5- تهديد أمن ومصالح الدول الغربية: تعتبر مناطق وسط وشرق وغرب أفريقيا مناطق نفوذ للعديد من الدول الغربية، لاسيما فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، على نحو دفعها إلى تأسيس قواعد عسكرية داخل بعض دولها، بالتوازى مع اتساع نطاق استثماراتها فيها، وهو ما يبدو أنه كان محط اهتمام تنظيم “داعش”، الذي ربما يحاول عبر العمليات الإرهابية التي يقوم بتنفيذها توجيه رسائل إلى تلك القوى تفيد أنه ما زال التنظيم الأقوى في أفريقيا عبر أفرعه الثلاثة في غرب ووسط أفريقيا والصومال، على الرغم من مقتل العديد من قياداته سواء على مستوى التنظيم المركزي في العراق أو على مستوى الأفرع المختلفة.

6- السعى إلى تأسيس فرع جديد: حاول “داعش” خلال الشهرين الماضيين توسيع نطاق عملياته الإرهابية لتشمل دولاً بوسط أفريقيا على غرار موزمبيق والكونغو وتنزانيا، مع رفع مستوى الاستهداف ليتضمن قوات أمنية فاعلة في مكافحة الإرهاب في رواندا ومالاوي وبوتسوانا وجنوب أفريقيا، وذلك لممارسة ضغوط على تلك الدول من أجل وقف أى تعاون أمني بينها وبين كل من موزمبيق والكونغو، بالإضافة إلى إعادة الانتشار جغرافياً للوصول إلى مناطق جديدة بشكل قد يساعد في تأسيس فرع جديد في القارة الأفريقية.

نقطة تحول

في المجمل، مثّلت العمليات الإرهابية التي قام بها تنظيم “داعش” خلال الشهرين الماضيين نقطة تحول في مسار التنظيم، الذي يبدو أنه يسعى في المرحلة القادمة إلى استغلال تراجع الدور العسكري والأمني للعديد من القوى الدولية المعنية بأمن واستقرار دول القارة، فضلاً عن الاضطرابات التي ما زالت تشهدها بعض تلك الدول، من أجل تعزيز نفوذه وتمدده داخل القارة.