هجمات مستمرة:
أسباب استهداف قاعدة زليكان التركية في شمال العراق

هجمات مستمرة:

أسباب استهداف قاعدة زليكان التركية في شمال العراق



تعرّض الوجود العسكري التركي في شمال العراق لهجمات متعددة خلال المرحلة الماضية، على نحو لا يمكن فصله عن مجموعة من المتغيرات التي يتمثل أبرزها في استغلال انشغال أنقرة بمواجهة مليشيا “قسد” في شمال سوريا، وتزايد ضغوط القوى العراقية التي تدعو إلى إنهاء حضورها عسكرياً في شمال العراق، والرد على استهداف الجاليات الكردية في الخارج، وإثبات القدرة على شن هجمات نوعية.  

أعلن ما يسمى بـ”لواء أحرار العراق” مسئوليته عن الهجوم الذي تعرضت له قاعدة زليكان العسكرية التركية في بلدة بعشيقة شمال شرقي الموصل العراقية، في بداية فبراير الجاري، وهو الهجوم الأعنف على القاعدة منذ فترة طويلة، حيث تمكّنت بعض الصواريخ التي تم إطلاقها من اختراق القاعدة من الداخل.

وسبق أن تعرّضت القاعدة- التي تأسست في عام 2015 وتضم نحو ألف جندي تركي وعدداً من الجنود العراقيين- لعدة هجمات خلال الأشهر الماضية، كان آخرها في 3 ديسمبر الماضي، وهو ما دفع تركيا إلى التهديد بالرد على تلك الهجمات، حيث أكد وزير الدفاع التركي خلوصي آكار أن بلاده “سوف تتخذ الإجراءات الضرورية لحماية أمنها”، مضيفاً أن “الجيش التركي يواصل مكافحة الإرهاب بعزم ودون هوادة شمالي العراق وسوريا”.

دلالات رئيسية

تطرح الهجمات المستمرة التي يتعرض لها الوجود العسكري التركي في شمال العراق دلالات عديدة يمكن تناولها على النحو التالي:

1- انشغال أنقرة في مواجهة “قسد” والأوروبيين: يعكس الهجوم الأخير على القاعدة التركية توجه العناصر المسلحة المناهضة للوجود التركي في شمال العراق إلى إعادة صياغة حساباتها بشأن مواجهة الجيش التركي استناداً إلى اعتبارات عديدة، أهمها انشغال أنقرة بالمواجهات المسلحة في شمال سوريا مع قوات “قسد” الكردية، وتصاعد التوتر بين تركيا وبعض الدول الغربية، على نحو بدا جلياً في إعلان دول أوروبية، في 2 فبراير الجاري، إخلاء مقرات قنصلياتها في اسطنبول خشية تعرضها لهجمات إرهابية على خلفية التحذيرات المتصاعدة من وقوع هجمات ضد المواطنين الأوروبيين في تركيا بسبب حرق نسخ من المصحف الشريف في السويد والدانمارك وهولندا رداً على تجميد أنقرة المحادثات مع السويد بشأن عضوية الأخيرة في حلف الناتو.

2- تصاعد الضغوط الداخلية لإنهاء الوجود التركي: لا يمكن فصل هذه الهجمات عن تصاعد ضغوط قطاع واسع من النخب العراقية لإنهاء الوجود العسكري التركي في شمال العراق، وهو أحد الملفات الشائكة التي تواجه الحكومات العراقية المتعاقبة، التي طالبت أنقرة مراراً بسحب قواتها من شمال العراق، على نحو تعارضه أنقرة، مستندة في هذا السياق إلى استغلال حزب العمال الكردستاني وجوده في شمال العراق لتنفيذ هجمات داخل أراضيها.

وكانت أنقرة قد اتهمت الحزب بالمسئولية عن الهجوم الأخير الذي وقع في اسطنبول في 13 نوفمبر الماضي، والذي ردت عليه بتوجيه ضربات عسكرية ضد مواقع القوى الكردية المناوئة لها. وفي رؤية اتجاهات عديدة، فإن التصعيد العسكري التركي داخل كل من العراق وسوريا يرتبط باقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي سوف تجرى في تركيا، في 14 مايو القادم، حيث يسعى الرئيس رجب طيب أردوغان إلى إعادة تجديد ولايته الرئاسية مرة أخرى.

3- إثبات القدرة على تنفيذ عمليات نوعية: تسعى الجهات التي تدعو إلى إنهاء الوجود العسكري التركي في شمال العراق إلى إثبات قدرتها على التحرك من أجل ممارسة ضغوط أقوى على تركيا لتحقيق ذلك، خاصة في الفترة الحالية التي تبدو فيها تركيا منشغلة في إعادة صياغة الترتيبات الأمنية والسياسية في شمال سوريا، عبر محاولة الوصول إلى تفاهمات جديدة مع النظام السوري برعاية روسيا، إلى جانب الاستعداد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو القادم.

4- تعزيز الاصطفاف بجانب الشركاء: لا يستبعد مراقبون أن يكون استهداف قاعدة زليكان التركية في شمال العراق مرتبطاً بحرص تركيا على وضع المليشيات الكردية في شمال سوريا والعراق بين فكي الاستهداف العسكري والإرهاب، وهو ما يمكن أن يدفع تلك المليشيات إلى تعزيز التنسيق والتعاون بينها في مواجهة تركيا، على نحو يمكن أن يمثل متغيراً جديداً سوف يكون له دور في التحولات التي يمكن أن تشهدها تلك المناطق خلال المرحلة القادمة.

5- الرد على استهداف الأكراد في الخارج: يبدو أن الإصرار التركي على ضرورة تسليم بعض العناصر الكردية المقيمة في السويد وفنلندا لتمرير موافقتها على عضوية البلدين في الناتو، أدى إلى تصاعد استياء القوى الكردية، خاصة أن هذه العناصر تقوم بالترويج للأزمات التي يتعرّض لها الأكراد بسبب السياسات التركية في كل من سوريا والعراق.

تداعيات مُحتملة

ربما يفرض استهداف القواعد العسكرية التركية في شمال العراق تداعيات عديدة، يأتي في الصدارة منها عودة التوتر إلى تلك المنطقة التي تشهد، بين الحين والآخر، تصعيداً عسكرياً إيرانياً موازياً، بسبب اتهام إيران أيضاً للجماعات الكردية الإيرانية الموجودة في تلك المنطقة بدعم الاحتجاجات الداخلية وتهريب أسلحة إلى داخل أراضيها.

ويتزايد هذا الاحتمال في ضوء تأكيد وزير الدفاع التركي خلوصي آكار على أن بلاده سترد سريعاً على هذا الهجوم الأخير، بالتوازي مع اتهام السلطات الإيرانية للجماعات الكردية الإيرانية في شمال العراق بتهريب معدات استخدمت في الهجوم الذي تعرضت له منشأة تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية في أصفهان في 27 يناير الفائت.

كما يرجح أن يتحول التصعيد في شمال العراق إلى محور رئيسي في التفاعلات بين القوى السياسية التركية، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات، خاصة أن قوى المعارضة التركية ما زالت حريصة على توجيه انتقادات قوية للسياسة التي يتبناها الرئيس أردوغان، لا سيما في كل من العراق وسوريا، والتي لم تنتج، في رؤيتها، تداعيات إيجابية على المصالح التركية.

ومع ذلك، فإن اتجاهات عديدة ترى أن التصعيد في شمال العراق قد يكون في صالح الرئيس أردوغان، خاصة في ظل تراجع شعبيته خلال المرحلة الماضية، بسبب استمرار الأزمة الاقتصادية. وبناءً على ذلك، فإن الهجوم الأخير على القاعدة التركية، وما قد يستتبعه من هجمات أخرى مُحتملة، قد يدفع الأتراك إلى التصويت لصالح الرئيس وحزب العدالة والتنمية.

تأثير محدود

في النهاية، يمكن القول إن استهداف قاعدة زليكان لن ينتج، في الغالب، تأثيرات قوية على هيكل القواعد العسكرية التركية في شمال العراق، خاصة في ظل اتساع نطاق الوجود العسكري لأنقرة في تلك المنطقة، فضلاً عن إصرار الأخيرة على مواصلة تعزيز وجودها طالما استمرت المليشيات الكردية، وفقاً لرؤيتها، في استهداف مصالحها، إلى جانب محاولتها استثمار التفاهمات التي تحاول التوصل إليها مع قوى إقليمية ودولية عديدة، على غرار روسيا وإيران، إلى جانب النظام السوري، بما يتوافق مع حساباتها إزاء التطورات السياسية والميدانية التي تشهدها كل من العراق وسوريا.