تغيير التوازنات:
أبعاد سيطرة الجيش المالي على مدينة كيدال

تغيير التوازنات:

أبعاد سيطرة الجيش المالي على مدينة كيدال



يأتي إعلان الجيش المالي، في 15 نوفمبر الجاري، عن سيطرته على مدينة كيدال في الوقت الذي تمر فيه المنطقة بحالة من عدم الاستقرار والاضطراب الأمني بسبب تصاعد حدة التهديدات الإرهابية من جانب التنظيمات الإرهابية المتحالفة مع الجماعات المسلحة في شمال مالي (الحركات الأزوادية)، فضلاً عن اتساع نطاق التنافس والصراع الدولي في المنطقة منذ انخراط روسيا في أزماتها المختلفة.

ورغم أن السيطرة على كيدال قد تمثل إنجازاً للجيش المالي، حيث عجز لسنوات طوال عن السيطرة عليها، لكن ذلك قد يمثل في الوقت نفسه بداية لفصل جديد من الصراع بين الجيش والحركات المسلحة الأزوادية التي تطالب بالانفصال عن الدولة المالية.

ومن هنا، تنطوي سيطرة الجيش المالي على كيدال على العديد من المخاطر، أبرزها عودة الطوارق للمطالبة بالانفصال والاستقلال عن مالي، وتزايد خطر تمدد المواجهات واتساع نطاقها إلى دول الجوار، وزيادة التنسيق والتعاون بين التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة في مواجهة الجيش، وتصاعد عمليات التمرد والانشقاقات والانقسامات العرقية في دول تلك المنطقة.

دوافع عديدة

يمكن القول إن ثمة اعتبارات عديدة دفعت الجيش المالي إلى السيطرة على كيدال، يتمثل أبرزها في:

1- الأهمية الاستراتيجية الكبيرة للمدينة: تشكل السيادة على كيدال رهاناً أساسياً للدولة المركزية وقدرة الدولة على بسط سيطرتها واستعادة هيبتها على كامل التراب الوطني، فهي معقل الحركات الأزوادية، وقد فشلت الحكومات السابقة في هزيمة هذه الحركات المسلحة، وتكبد الجيش المالي هزائم بين عامي 2012 و2014، وظل تمرد هذه المنطقة مصدر إزعاج كبيراً لباماكو التي جعلت من تكريس السيادة على هذه المنطقة هدفاً رئيسياً.

2- التصعيد العسكري من جانب الجماعات المسلحة: تصاعدت المواجهات بين الجيش والحركات المسلحة بعد إعلان الأخيرة عن سيطرتها على 4 مواقع عسكرية للأول منذ أغسطس 2023، إضافة إلى 11 مركبة عسكرية، فضلاً عن السيطرة على بعض المدن مثل مدينة بوريم الاستراتيجية، ثم قامت حركة تحرير أزواد، في سبتمبر الماضي، بمهاجمة ثكنة عسكرية في بلدة ليري وتمكنت من إسقاط طائرة مروحية تابعة للقوات الجوية، ثم أعلنت عن تغيير اسمها إلى “الجيش الوطني للأزواد”، وهو ما دفع الجيش إلى الإعلان عن بدء العملية العسكرية للسيطرة على كيدال.

3- إعادة التموضع العسكري بعد خروج القوات الأممية: جاء إعلان الجيش عن العملية العسكرية في شمال مالي بعد بدء عملية الانسحاب لبعثة الأمم المتحدة “مينوسما” في يونيو 2023، وهو ما أدى إلى تصاعد الصراع بين الجيش والجماعات المسلحة للسيطرة على المواقع العسكرية، وقد أعلنت الحركات الأزوادية بالفعل سيطرتها على بعض المواقع العسكرية، مما دفع بالجيش إلى تكثيف الضربات العسكرية داخل كيدال من أجل السيطرة على المدينة.

4- انخراط “فاجنر” في العمليات القتالية: مارست مجموعة “فاجنر” دوراً هاماً في دعم سيطرة الجيش على المدينة، حيث سيطرت على العديد من المواقع العسكرية بعد خروج القوات الفرنسية من شمال مالي. وتشير التقارير إلى وجود ما يزيد على 1600 عنصر من “فاجنر”، وهم مسلحون بمختلف أنواع العتاد العسكري، وقد ساعد انخراطهم في العمليات القتالية في تعزيز قدرة الجيش على السيطرة على المدينة التي أخفق لسنوات في اقتحامها.

تحديات محتملة

ربما تفرض سيطرة الجيش المالي على مدينة كيدال تحديات محتملة، يمكن تناولها على النحو التالي:

1-  تصاعد المطالب الانفصالية للطوارق: تثير سيطرة الجيش على مدينة كيدال حالة من انعدام الثقة في تحقيق السلام رغم التوقيع على اتفاقية السلام في عام 2015 التي أبرمت برعاية جزائرية، وهو الأمر الذي قد يدفع جماعات الطوارق للإعلان عن انفصال “أزواد” شمال مالي وتأسيس دولة مستقلة لهم، خاصة أن بعض الحركات ما زالت تتمسك بالخيار الانفصالي ورفض التفاوض مع الجيش.

2- امتداد الصراع إلى دول الجوار: تنتشر جماعات الطوارق في غرب وشمال أفريقيا، وقد يؤدي استمرار القتال بين الجيش المالي والحركات الأزوادية إلى تجديد المطالب الانفصالية لجماعات الطوارق في دول الجوار وخاصة ليبيا، حيث سبق أن انضم العديد من المقاتلين الطوارق من ليبيا إلى طوارق شمال مالي في حربهم مع الجيش المالي بعد سقوط نظام القذافي في عام 2011، ومن الممكن تكرار هذا السيناريو خاصةً في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي في ليبيا، كما أن تصاعد المطالب الانفصالية في مالي قد يمتد إلى دول مثل النيجر التي تمر بفترة انتقالية، ولا تزال تواجه حالة من عدم الاستقرار السياسي منذ انقلاب الجيش على الرئيس محمد بازوم في 26 يوليو الماضي.

3- زيادة التنسيق بين التنظيمات الإرهابية والطوارق: لا تزال بعض التنظيمات الإرهابية المبايعة لتنظيمي “داعش” و”القاعدة” تنشط في وسط وشمال مالي، ويمكن أن تستغل الحرب الدائرة بين الجيش المالي والجماعات المسلحة في تنفيذ عمليات إرهابية أو الزحف لإسقاط الحكومة الانتقالية والسيطرة على الحكم في باماكو، خاصةً أن جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تعمل على تكرار نموذج “طالبان” في مالي. ولذلك لا يستبعد أن تتجه الحركات الأزوادية للتحالف مع التنظيمات الإرهابية لتنسيق عملياتها ضد الجيش المالي الذي سوف يجد نفسه يقاتل على جبهتين، وربما في الوسط والشمال من مالي. وعلاوة على ذلك، قد تستغل التنظيمات الإرهابية اتساع نطاق عدم الاستقرار السياسي لزيادة نشاطها بين ليبيا ومنطقة الساحل، وهو ما يهدد استقرار الجنوب الليبي.

4- تفاقم عمليات التمرد والانقسامات العرقية داخل الجيش: وهو احتمال يستند إلى أن الجيش يضم جماعات عرقية، وقد سبق أن فرت بعض عناصر الطوارق منه، لذلك يمكن أن يؤدي تصاعد القتال بين الجيش والحركات المسلحة إلى حدوث تمرد وانقسامات عرقية وربما محاولات للانقلاب على الحكومة الانتقالية وذلك للسيطرة على الأوضاع في مالي، وقد تمتد الانقسامات العرقية إلى حرب أهلية شاملة على مستوى الدولة بين الجماعات العرقية.

سيناريوهات رئيسية

يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لمستقبل الصراع بين الجيش المالي والحركات الأزوادية: السيناريو الأول، استمرار سيطرة الجيش على كيدال بدون أي مقاومة من جانب الجماعات المسلحة، ويفترض هذا السيناريو أن الجماعات المسلحة سوف تستسلم للأمر الواقع، وأن الجيش يملك قدرات لوجستية وبشرية تمكنه من فرض سيطرته على كيدال وباقي المناطق في الوسط والتي تواجه هجمات متكررة من جانب التنظيمات الإرهابية. ويبدو أن هذا السيناريو يظل مستبعداً لأن استمرار سيطرة الجيش على كيدال تتطلب تقليص الوجود العسكري في مناطق الوسط، وهو الأمر الذي يعرض الجيش لخطر الهجمات الإرهابية على ثكناته، وربما سيطرة التنظيمات الإرهابية على بعض المدن.

والسيناريو الثاني، اتساع نطاق المواجهات بين الجيش والحركات الأزوادية،وخاصة بعد أن أعلنت الأخيرة مواصلة القتال ضد الجيش برغم سيطرته على كيدال، وقد أعلن ما يسمى بالإطار الاستراتيجي للحركات الأزوادية التعبئة العامة ودعوة مقاتليه للانضمام للقتال. وتشير التقارير إلى أن تعداد المقاتلين في تنسيقية الحركات الأزوادية يتجاوز 26 ألف مقاتل، بالإضافة إلى ما يزيد على 3000 مقاتل من الطوارق من ليبيا انضموا للقتال منذ عام 2012. وتمتلك الحركات آلاف السيارات المحملة بالأسلحة الثقيلة، وهو ما قد يدفع هذه الحركات إلى مواصلة القتال، وخاصة إذا تلقت دعماً عسكرياً ولوجستياً من جماعات الطوارق في الدول المجاورة، أو من بعض القوى المناوئة لسيطرة المجلس العسكري في مالي.

والسيناريو الثالث، العودة إلى المفاوضات بين الجيش والحركة الأزوادية،ويعزز من هذا السيناريو الضغوط المستمرة من جانب الحركات المعارضة المالية وتحذيرها من انهيار الدولة، ومخاوف القادة العسكريين من تداعيات الحرب مع الطوارق على استقرار المؤسسة العسكرية التي تتسم بتكوينها العرقي، وهو ما يهدد بتعرض الجيش لعمليات تمرد أو انشقاقات أو محاولات انقلابية، مما يعزز من قناعة الجيش بقبول مطالب العودة إلى المفاوضات، إذ يتوقع أن تتدخل دول الجوار-مثل الجزائر والنيجر-من أجل إقناع الجيش والجماعات المسلحة بإجراء مفاوضات، وذلك للحد من تداعيات هذه المواجهات على أمنها واستقرارها، ووقف تمددها واتساع نطاقها الإقليمي.

في المجمل، يبدو أن السيناريو الثاني-اتساع نطاق المواجهات بين الجيش والجماعات المسلحة- هو الأكثر ترجيحاً، وخاصة مع إصرار هذه الجماعات المسلحة على مواصلة القتال وتصعيد مطالبها بالحكم الذاتي أو الانفصال عن مالي، في ظل مناخ من عدم الثقة في الحكومات المركزية. ويبدو الجيش متحفزاً لمواصلة القتال معتمداً على دعم عناصر “فاجنر”، فيما تبدو الحركات الأزوادية أكثر إصراراً على مواصلة القتال لاستعادة سيطرتها على كيدال، وربما تراهن على دعم الطوارق في دول الجوار أو حتى التنسيق مع التنظيمات الإرهابية، على نحو يمكن أن يؤدي إلى دخول مالي مرحلة جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار.