تجاوز الخلافات:
أبعاد زيارة الرئيس التركي لروسيا

تجاوز الخلافات:

أبعاد زيارة الرئيس التركي لروسيا



توجَّه الرئيس رجب طيب أردوغان، في 4 سبتمبر الجاري، إلى موسكو، في زيارة رسمية استهدفت معالجة التوتر الحاصل بين البلدين، والذي وصل إلى الذروة خلال المرحلة الأخيرة، وكشف عن ذلك إلغاء زيارة كانت مقررة للرئيس الروسي إلى تركيا في أغسطس الماضي. وقد حظيت زيارة أردوغان بمزيد من الترقب والاهتمام في آن معاً، إذ جاءت في ظل معارضة موسكو تجديد اتفاق الحبوب، وصعود الاستهداف الروسي لناقلات الحبوب في البحر الأسود. كما تزامنت مع انعطافة تركيا نحو الغرب، خاصةً بعد موافقتها على انضمام السويد لحلف الناتو، بالإضافة إلى التحسن الملحوظ في العلاقات التركية الأمريكية، حيث أرسلت الأخيرة في نهاية أغسطس الماضي حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر فورد” إلى تركيا في الوقت الذي أجرى البلدان فيه مناورات عسكرية مشتركة في أغسطس 2023.

دلالات متنوعة

حمل لقاء الرئيس أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، والذي جاء في سياق تكاثر الملفات الخلافية بين أنقرة وموسكو، وتصاعد قلق الأولى من ردود فعل الثانية، العديد من الدلالات التي يمكن تناولها على النحو التالي:

1- معالجة التوترات في العلاقات الثنائية: تأتي زيارة الرئيس التركي إلى موسكو بالتزامن مع تصاعد التوترات بين البلدين، إذ أبدت روسيا غضباً لافتاً من موافقة أنقرة على عضوية السويد بحلف الناتو، ودعمها للحاق أوكرانيا بالحلف. كما دخلت العلاقة مناخ الشحن بين البلدين بعد تسليم تركيا العسكريين الأوكرانيين الخمسة الذين كانوا متحصنين في مصنع “آزوفستال” للصلب في مدينة ماريوبول، إلى الرئيس الأوكراني؛ وذلك خلال زيارة أجراها إلى تركيا في شهر يوليو 2023. علاوةً على ذلك، فإن التنافس في منطقة آسيا الوسطى والبلقان، لا يزال موضع اشتعال بين البلدين.

2- تحييد الضغوط الروسية في الساحة السورية: تتصاعد الضغوط الروسية على التحركات التركية في سوريا بعد تعثر عملية التطبيع بين أنقرة ودمشق، وإصرار الأخيرة على ضرورة سحب القوات التركية من مناطق شمال سوريا. وكثفت موسكو من استهدافها لمناطق النفوذ التركي في سوريا، وكان آخرها في مطلع سبتمبر الجاري، حيث شن الطيران الحربي الروسي غارات جوية على قرية المحسنلي بريف منبج، شرقي حلب، بعدما سيطرت عليها فصائل “الجيش الوطني” الموالية لتركيا. ولم تكن هذه الغارات هي الأولى من نوعها في التوقيت الحالي، ففي 8 أغسطس الماضي تعرضت ضواحي مدينة إدلب، بشمال غربي سوريا، والواقعة ضمن ما يعرف بمنطقة “بوتين – أردوغان”، لغارات جوية روسية.

في هذا السياق، فإن زيارة أردوغان ترتبط في جانب منها بالرغبة في تحييد الضغوط الروسية على المصالح التركية في سوريا، خاصة أن تركيا تعتبر روسيا بلداً يمكن أن تعتمد عليه في إطار سعيها إلى قطع الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” أو على صعيد دعم الأهداف التركية في سوريا. ويُشار إلى أن الرئيس الروسي عشية استقباله أردوغان قال إنه “فعل الكثير مع نظيره التركي فيما يتعلق بالأوضاع في سوريا”. وأضاف: “أعرف مدى حساسية هذه القضية (سوريا) بالنسبة لجمهورية تركيا، ونحن نقف إلى جانبكم”.

3- تقليص الضغوط الغربية على تركيا في الملفات الخلافية: جاءت زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان لروسيا لتؤكد الاهتمام التركي بتطوير العلاقات مع روسيا التي تمثل أولوية استراتيجية لتركيا في سياق جهودها لتحييد الضغوط الغربية عليها في الملفات الخلافية. كما تُمثّل موسكو لتركيا نقطة وازنة في سياق الصراع مع الدول الأوروبية، وبخاصة اليونان في منطقة شرق المتوسط. بالتوازي، جاءت زيارة الرئيس أردوغان إلى روسيا، في وقت تُواصِل فيه تركيا سياستها الحيادية حيال الأزمة الأوكرانية، حيث لا تزال ترفض الاصطفاف إلى العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، كما تعمل على تطوير رؤية مشتركة للسلام والاستقرار للأزمة الروسية الأوكرانية. لذلك، حرص “أردوغان” من خلال هذه الزيارة على تأكيد مكانة بلاده بصفتها وسيطاً فاعلاً وموثوقاً به بين أطراف الأزمة الأوكرانية.

4- تأمين المصالح المشتركة مع روسيا في قطاعي الطاقة والدفاع: كشفت زيارة الرئيس أردوغان إلى روسيا عن حرص تركيا على تأمين المصالح المشتركة مع روسيا، خاصة في مجال الطاقة، حيث تعتمد تركيا في تلبية جانب معتبر من احتياجاتها النفطية على وارداتها من الغاز الروسي، كما أنه في إطار توسُّع تركيا في مجال الطاقة النووية، تمثل موسكو أولوية استراتيجية لها، حيث أشار أردوغان إلى أنه ناقش مع بوتين بناء محطة نووية ثانية في مدينة “سينوب” التركية، بعد أن مولت روسيا مشروع محطة “أكويو” للطاقة النووية السلمية، والتي بلغت تكلفتها نحو 20 مليار دولار، وتحتل محطة “أكويو” النووية في تركيا مساحة مهمة في علاقات قطاع الطاقة بين أنقرة وموسكو.

في المقابل، فإن أنقرة تعي أهمية علاقاتها الاقتصادية والدفاعية مع روسيا في التوقيت الحالي، فبينما ارتفع معدل التبادل التجاري بين البلدين إلى أكثر من 60 مليار دولار بنهاية النصف الأول من العام الحالي، وافقت موسكو على السماح لتركيا بتسديد جانب من ثمن وارداتها الغازية من روسيا بالعملة المحلية. وتجدر الإشارة إلى أنّ ثمة لقاء جرى على هامش قمة بوتين-أردوغان بين رئيسي البنكين المركزيين التركي والروسي، لمناقشة المضيّ نحو استخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية، كما أعرب أردوغان خلال المؤتمر الصحفي مع نظيره الروسي عن أمله في رفع المبادلات التجارية مع روسيا إلى 100 مليار دولار.

بالتوازي، تعي تركيا أنه في ظل استمرار العقوبات الأمريكية على قطاع الصناعات الدفاعية التركية، واستبعاد أنقرة من إنتاج برنامج طائرات إف-35، بالإضافة إلى معارضة الكونجرس حصول تركيا على الطراز التقدم من طائرات F16، فإن التعاون الدفاعي مع روسيا يحمل أولوية في هذا التوقيت. وتجدر الإشارة إلى أن الطرفين يستكشفان الآن مزيداً من التعاون في مجال التكنولوجيا الدفاعية، وذلك في ضوء خطة تركيا لتوسيع الصناعات الدفاعية المحلية.

قضايا محورية

برغم القضايا الخلافية بين تركيا وروسيا إلا أنه لا شك أن هناك العديد من الأهداف التي سعى البلدان إلى تحقيقها خلال لقاء بوتين-أردوغان، والتي يمكن تناولها كالتالي:

1- السعي لإنقاذ اتفاق الحبوب: كثف الرئيس التركي خلال لقائه نظيره الروسي في سوتشي من جهوده لإقناع بوتين بالعودة إلى اتفاق البحر الأسود الرئيسي الذي سمح للمواد الغذائية الأوكرانية، وخاصة شحنات الحبوب، بالوصول إلى الأسواق العالمية. وتمثل العودة لاتفاق الحبوب أولوية لتركيا، لتعزيز دورها كوسيط محوري في الأزمة الأوكرانية من جهة، ومن جهة أخرى تأمين عملية التهدئة في البحر الأسود، خاصة أن موسكو بعد انسحابها في 18 يوليو الماضي من اتفاق الحبوب، بدأت في استهداف الموانئ ومرافق التخزين الأوكرانية على البحر الأسود، وهو ما قد ينعكس على المصالح والتحركات التجارية لتركيا في البحر الأسود.

بيد أن زيارة أردوغان لم تحقق تقدماً كبيراً في هذا الملف، فبرغم إعلان بوتين في وقت سابق أن بلاده منفتحة على المباحثات، إلا أنه قال خلال لقائه نظيره التركي، إن موسكو ستعود إلى اتفاق الحبوب بمجرد رفع العقوبات الغربية عن نقل الحبوب والأسمدة الروسية. وأضاف أن “الغرب خدع روسيا بشأن الأهداف الإنسانية لمبادرة الحبوب”. وأشار إلى أن موسكو أُجبرت على الخروج من الاتفاقية؛ لأن الدول الغربية فرضت عقوبات عليها.

2- إحياء مساعي التطبيع التركي-السوري: مع استمرار تطورات الأزمة السورية، والتطورات المحلية المغايرة في الداخل السوري، وزيادة الدور الأمريكي في فاعليات الأزمة السورية، وفي إطار خطة روسيا لضمان الإمساك بمفاصل المشهد السوري، وتحييد تحركات القوى الإقليمية المنخرطة في سوريا، وبخاصة تركيا؛ وجد بوتين في لقائه نظيره التركي فرصة مناسبة لدفع عمليات التطبيع التركي-السوري، ومحاولة الضغط على أنقرة للتجاوب مع مطالب دمشق، خاصة فيما يخص التواجد العسكري التركي في مناطق شمال سوريا. وتجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أكد عشية استقباله نظيره التركي هاكان فيدان، في 31 أغسطس الماضي، على أهمية تسريع وتيرة التقارب التركي السوري.

3- ضمان موازنة الموقف التركي تجاه الحرب الأوكرانية: يُعد الموقف التركي من الأزمة الأوكرانية مصدر قلق من الجانب الروسي، خاصة بعد إعلان أردوغان عشية قمة حلف الناتو في ليواتنا في يونيو الماضي عن دعم بلاده لانضمام كييف إلى الناتو، بالإضافة إلى ظهور مؤشرات لتحسن العلاقات التركية-الأمريكية، وآخرها إجراء البلدين في أغسطس الماضي مناورات عسكرية مشتركة. فكان من أهم الأهداف المباشرة للرئيس بوتين عشية استقباله نظيره التركي، هو التأكد من استمرار حيادية الموقف التركي، وعدم الانحياز للسياسات الغربية التي تستهدف محاصرة موسكو، والضغط عليها. وفي هذا الصدد، لا تزال موسكو برغم قضاياها الخلافية مع أنقرة، إلا أنها ترى وساطة الأخيرة مهمة في تفاعلات الأزمة الروسية-الأوكرانية.

علاقة محورية

ختاماً، يمكن القول إن زيارة الرئيس التركي لروسيا تأتي ضمن تحركات تركيا لحلحلة القضايا الخلافية، والتأكيد على محورية العلاقة مع روسيا التي ترتبط معها بمصالح وامتدادات إقليمية يمكن أن تساهم ليس فقط في تحييد الضغوط الغربية على تركيا في القضايا الخلافية، وإنما تمثل رافعة مهمة لاقتصاد تركيا وصناعاتها الدفاعية. بيد أن نجاح أنقرة في إقناع موسكو بالعودة لاتفاق الحبوب يظل مرهوناً في جانب منه بقدرة تركيا على إقناع الغرب بأهمية تخفيف العقوبات المفروضة على موسكو، خاصة أن الأخيرة تعتبر الاتفاق ورقة ضاغطة يمكن أن تُعيد تشكيل خارطة الصراع الأوكراني والتأثير على مقاربات الدول الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة الأوكرانية، ويُمكن هنا فهم قيام موسكو بشن هجوم جوي على أحد الموانئ الرئيسية الأوكرانية لتصدير القمح، وذلك قبل ساعات من اجتماع الرئيس الروسي ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في سوتشي.