الهروب من الأزمات:
أبعاد الخطاب الإعلامي لتنظيم القاعدة في 2021

الهروب من الأزمات:

أبعاد الخطاب الإعلامي لتنظيم القاعدة في 2021



توسع تنظيم القاعدة خلال السنوات الأخيرة في استخدام الأدوات الإعلامية المختلفة؛ المقروءة، والمرئية، والمسموعة، وذلك في ضوء التأثير الكبير لهذه الأدوات، والانتشار الواسع للمواد التي تنتجها. ويكشف تتبع استخدام هذه الأدوات من قبل التنظيم خلال عام 2021 عن تعددية الأهداف التي سعى التنظيم إلى تحقيقها، فالأمر يبدو أنه يتجاوز حدود الأهداف التقليدية مثل: نشر الأيديولوجيا، أو استقطاب عناصر جديدة، إلى توظيف هذه الأدوات الإعلامية من أجل شن “حروب نفسية” ضد “أطراف معينة”، أو بيان مواقف التنظيم ومنظريه الرئيسيين تجاه التطورات والقضايا المختلفة بما يضمن وحدة الموقف بين قواعد التنظيم، أو حتى الحشد والتعبئة.

القضايا الرئيسية

ركّز الخطاب الإعلامي لتنظيم القاعدة بأفرعه المختلفة في المنطقة، سواءً من خلال البيانات أو المقاطع المرئية المنشورة، على عدد من القضايا الرئيسية خلال العام الجاري، وتتمثل هذه القضايا في الآتي:

1- التوسع في نشر المواد الدعوية: توسع تنظيم القاعدة خلال عام 2021، في نشر مواد دعوية وذلك عبر “مؤسسة السحاب”، الذراع الإعلامية للقاعدة المركزية في خراسان – باكستان وأفغانستان، أو الأذرع الإعلامية لأفرع التنظيم المختلفة مثل: مؤسسة الملاحم، الجناح الإعلامي لتنظيم (القاعدة في اليمن). وقد لوحظ أن التنظيم يقوم بتدوير المواد الدعوية والأرشيفية القديمة، وإعادة نشرها على أنها مواد حديثة، مع الإشارة إلى أن هذه المواد عبارة عن حديث وتفسير لبعض سور القرآن مثل: الحجرات والعنكبوت، أو الحديث عن قصص تاريخية مثل: طالوت وجالوت، وكذلك تم التطرق لقضايا مثل: الإساءة للرسول، أو أزمة الروهينجيا.

2- الترويج للعمليات الإرهابية: حاولت بعض أفرع تنظيم القاعدة استخدام منصاتها وأذرعها الإعلامية من أجل تسليط الضوء على بعض عملياتها الإرهابية، ومن هذا ما قامت به مؤسسة شام الرباط الذراع الإعلامية لتنظيم حراس الدين في سوريا، التي نشرت في 24 يناير 2021 إصداراً مرئياً يوثق ما وُصف من قبل القاعدة بـ”غزوة العُسرة” التي نفذها عناصر التنظيم في سوريا ضد قاعدة روسية في تل السمن بريف الرقة ليلة رأس السنة. كذلك نشر تنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” العديد من البيانات التي سلط فيها الضوء على عملياته في اليمن، وكان من أهمها البيان المنشور بتاريخ 8 يوليو 2021، والذي أشار فيه التنظيم إلى أنه شن العديد من العمليات في ولاية البيضاء، وهي العمليات التي استهدف من خلالها من وصفهم بـ”الرافضة” و”الصفويين” في إشارة إلى الحوثيين.

3- دعم الحراك الفلسطيني في مواجهة إسرائيل: يجد المتابع للخطاب الإعلامي للقاعدة، أن التنظيم بأفرعه المختلفة تعاطى بشكل كبير مع التصعيد بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، حيث صدرت بيانات داعمة للفلسطينيين من قاعدة اليمن، والقاعدة في شمال إفريقيا، وشبه القارة الهندية. كذلك فإن مؤسسة السحاب أصدرت نشرتها الدورية “النفير” بعنوان “الأقصى في حماية أحفاد البراء بن مالك”. وفي السياق ذاته، نشرت القاعدة المركزية العدد ٣٥ من نشرة “النفير” التوعوية التي خُصصت للحدث الفلسطيني بعنوان: “من معركة سيف القدس إلى معركة المساجد”، وعلى المنوال نفسه نشرت القيادة العامة للقاعدة بياناً في 17 مايو 2021 بعنوان: “حُبٌ وإجلال ونصرة لأهلنا في فلسطين”، وهو البيان الذي تمت فيه الإشادة بقادة حماس العسكريين والسياسيين.

4- تشجيع نشاط الذئاب المنفردة: نشرت مؤسسة الملاحم، الذراع الإعلامية للقاعدة في شبه جزيرة العرب، في 29 يونيو 2021، العدد السادس من مجلة “إنسباير” (بعنوان إشادات وإرشادات)، وقد ركز العدد على جريمة كولورادو التي وقعت في مارس الماضي. حيث أشاد العدد بمرتكب الجريمة الإرهابية “أحمد العيسى”، الذي قتل ١٠ أشخاص في متجر. وقد لوحظ أن المجلة لم تُشر إلى أي علاقة بين التنظيم والعيسى. وقد حمل الجزء الثاني من المجلة إرشادات إلى “الذئاب المنفردة”، وهي الإرشادات التي تمحورت حول ضرورة توسيع تحركاتهم الإرهابية، والحرص على بث هذه الجرائم الإرهابية على الإنترنت “مع التكبير”.

5- الاحتفاء بصعود طالبان: نشرت “القاعدة المركزية” في 31 أغسطس الماضي بياناً هنأت فيه حركة طالبان في أعقاب انسحاب آخر القوات الأمريكية من مطار كابول، وبارك التنظيم قادة “طالبان” وزعيمها الملا هبة الله آخوند زاده شخصياً، مهنئةً إياهم بـ”نصرهم العظيم” على ما وصفه بـ”التحالف الصليبي”. وأشار البيان إلى أن انتصار “طالبان” في أفغانستان يُفسح الطريق أمام الشعوب المسلمة كي تتحرر ممن وصفهم البيان بـ”الحكام الطواغيت”، وخاصةً في الأراضي الفلسطينية والصومال واليمن و”مغرب الإسلام” وإقليم كشمير، المتنازع عليه بين الهند وباكستان. لكن اللافت هو أن البيان ركز على تهنئة جلال الدين حقاني، مؤسس شبكة حقاني، والد سراج حقاني نائب أخندزاده، ووالد أنس حقاني عضو مكتب الدوحة، الذي تولى المحادثات والمفاوضات مع الزعماء الأفغان السابقين من أمثال حامد كرزاي، وعبدالله عبدالله، حتى وصول رئيس المكتب الملا بردار إلى كابول.

دلالات جوهرية

عكس الخطاب الإعلامي لتنظيم القاعدة خلال عام 2021، جملة من الدلالات والرسائل المهمة، وذلك على النحو التالي:

1- محاولات التغطية علي الأزمات البنيوية للتنظيم: إحدى الفرضيات التي يمكن في ضوئها فهم توسع تنظيم القاعدة في إعادة نشر مقاطع دعوية قديمة، هي أن التنظيم يحاول عبر هذا النهج التغطية على أزماته البنيوية المتفاقمة، خصوصاً أزمة القيادة، وذلك في ضوء مقتل عدد كبير جداً من قادة التنظيم على مدار العام، في ظل تركيز القوى الدولية على الاستراتيجية المعروفة بـ”قطع الرؤوس”، فضلاً عن الأزمات المرتبطة بالمستوى القاعدي مع تصاعد الانتقادات الموجهة من أعضاء التنظيم لقادته، من حيث وجود فجوة بينهم وبين جيل الشباب، وتشددهم في التعامل مع الشباب وعناصر التنظيم بشكل عام، إلى الحد الذي يدفعهم إلى تخوين كل من يختلف معهم.

2- السعي لاستعادة الزخم العملياتي: عكس تركيز تنظيم القاعدة وأفرعه المختلفة على استعراض بعض العمليات الإرهابية التي تم تنفيذها، رغبة التنظيم في التأكيد على حضوره العملياتي القوي على ساحة النشاط الإرهابي العالمي، خصوصاً في ضوء اعتبارين: الأول هو عودة تنظيم داعش لقيادة المشهد الإرهابي العالمي، والثاني هو تصاعد الحديث من قبل العديد من الدوائر عن كون تنظيم القاعدة حالياً في أضعف حالاته، وبالتالي ربما يسعى التنظيم إلى إثبات عدم صحة هذه الفرضية.

3- مفارقات في التعامل مع “حماس” بين المنظرين والقادة: يبدو أن هنالك فارقاً كبيراً على مستوى التعامل القاعدي مع حماس، بين منظري تنظيم القاعدة وقادة التنظيم، ففي الوقت الذي أصدر فيه قادة التنظيم المركزي العديد من البيانات التي أشادوا فيها بحماس وقادتها العسكريين والسياسيين، كان هنالك خلاف شديد بين منظري القاعدة حول مدى شرعية دعم حماس، خصوصاً بين “أبو محمد المقدسي” الذي حرم وبشدة دعم حركة حماس في ضوء موالاتها لإيران وبشار الأسد، و”أبو قتادة الفلسطيني” الذي هاجم “المقدسي” ورأى ضرورة “احتواء” حماس. وتعكس مثل هذه السجالات أن الجدل والخلافات الفقهية والعقدية لا تتجاوز حدود التنظير بين فقهاء ومنظري التنظيم، لكن مراكز صنع القرار في النهاية تتعامل بشكل أكثر براجماتية.

4- مقاربة حذرة إزاء صعود طالبان: أثار تأخر إصدار القاعدة المركزية بيانَ تهنئة لحركة طالبان العديد من التساؤلات التي حاولت الوقوف على بواعث هذا التأخر. ويمكن القول إن هذا التأخر جاء كنتاج طبيعي للجدل المثار حول العلاقة بين طالبان والقاعدة، واشتراط الولايات المتحدة إنهاء علاقة طالبان بالقاعدة، وتأكيد طالبان أنها فكت هذا الارتباط، وأنها لن تسمح للقاعدة وغيرها بشن هجمات ضد أمريكا وحلفائها على الأراضي الأفغانية أو منها، مع الإبقاء -في الوقت ذاته- على “تحالف غير معلن” بين القاعدة وطالبان، وهو ما أكدته وزارة الدفاع الأمريكية، حيث أشارت في تقريرها الربع سنوي أمام الكونجرس إلى أن “طالبان تواصل حفاظها على علاقات وثيقة مع القاعدة، وتوفر لقياداتها ملاذات آمنة في أفغانستان”، وكان تقرير لمجلة “الإيكونومست” قد أشار إلى أن “القاعدة بايعت طالبان مع سيطرتها على العاصمة كابول”.

وفي السياق ذاته، يجب الإشارة إلى أن الإشادة الكبيرة من قبل “القاعدة” بـ”جلال الدين حقاني”، مؤسس شبكة حقاني، يرتبط بما تشير إليه العديد من التقارير من أن جل عناصر الشبكة هم بالأساس من أعضاء القاعدة، فضلاً عن أن شبكة “حقاني” هي المسؤولة عن إدارة ملف العلاقات بين القاعدة وطالبان.

5- استمرار الشكوك حول مصير “الظواهري”: ركز “الظواهري” في المقطع المرئي الأخير الذي نشرته السحاب في 11 سبتمبر الماضي، على أحداث متفرقة وقعت في عام 2020 ليس لها أي علاقة بأحداث 11 سبتمبر، ولا حتى بالتطورات الإقليمية المهمة التي من الطبيعي أن يُعلق عليها. وهو الأمر الذي زاد من الشكوك والتكهنات التي تحاول الوقوف على مصير الرجل، وقد ذهبت تقديرات إلى أن هذه الضبابية المحيطة بالظواهري، ربما تكون مناورة من قبل التنظيم لعدم كشف مكان “الظواهري” أو بسبب ظروفه الصحية، أو لأن الظواهري بالفعل قد توفي.

إجمالاً، يمكن القول إن تحليل الخطاب الإعلامي لتنظيم القاعدة خلال عام 2021، يكشف عن وجود فجوة بين هذا الخطاب والواقع الإقليمي المحيط بالتنظيم. كما يعكس الخطاب الإعلامي للقاعدة محاولة التنظيم الهروب من أزماته البنيوية العميقة التي تهدد بقاءه، فضلاً عن السعي لاستعادة الزخم العملياتي من البوابة الإعلامية.