قواعد متغيرة:
آفاق التفاعل الإفريقي مع الصراع في أوكرانيا

قواعد متغيرة:

آفاق التفاعل الإفريقي مع الصراع في أوكرانيا



منذ بداية التصعيد بين روسيا وأوكرانيا، انشغل المعنيون بالشأن الإفريقي بقضية أساسية تتصل بالتداعيات المحتملة التي يمكن أن تتعرض لها القارة الإفريقية من جراء الصراع في شرق أوروبا، سواء ظل منحصراً في نطاقه الأصلي داخل الحدود الأوكرانية أو اتسع ليتعداها إلى مناطق جديدة غرباً وجنوباً. فقد سعت العديد من التقديرات المبكرة لاستكشاف حدود تأثر القارة الإفريقية بالصراع الدائر على الساحة الأوكرانية، واعتمدت في ذلك على عددٍ من المؤشرات كمعدلات الارتفاع المحقق والمتوقع في أسعار البترول وعدد من الحاصلات الزراعية والمعادن، وحجم التراجع المحتمل في قيمة التبادل التجاري بين الجانبين بسبب العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي، وعدد المقاتلين التابعين للشركات العسكرية الخاصة الروسية في مناطق انتشارهم بالقارة الإفريقية، وعدد الأفارقة الذين يجري إجلاؤهم من أوكرانيا خاصة بعد تصاعد مظاهر تعرضهم لتمييز عنصري، ولا سيما على المعابر الحدودية باتجاه دول الجوار الغربي لأوكرانيا.

وبالقطع تساعد هذه المؤشرات في بناء تصورات أولية لمستقبل المشهد، لكن مع التأثر سلباً بعاملين رئيسيين: أولهما، محدودية النطاق الزمني في ظل القرب الشديد من تاريخ تفجر الصراع، ومن ثم لا يمكن الحديث عن أنماط مستقرة لأىٍ من اتجاهات هذه المؤشرات صعوداً وهبوطاً. وثانيهما، الطبيعة الجزئية لهذه المؤشرات التي لا يمكن الاعتماد عليها منفردة في بناء تصور شامل لكيف يمكن أن تؤثر إفريقيا أو تتأثر بالصراع في أوكرانيا.

فرص سانحة

كشف الصراع في أوكرانيا، في أسابيعه الأولى، عن عدد من الفرص السانحة على مستويات متعددة، وهو ما توضحه المؤشرات التالية:

1- اكتساب المنافسة الدولية في إفريقيا المزيد من التعقد والمرونة: أبرز الصراع في أوكرانيا ما اكتسبته المنافسة الدولية في إفريقيا من تحولات جعلت منها ظاهرة أكثر تعقيداً وتشابكاً؛ إذ لم يعد من المنطقي إعادة تبني منظورات الحرب الباردة بشأن تقسيم القارة الإفريقية إلى مناطق نفوذ حصرية بين القوى الدولية الكبرى. ويكشف التفاعل الإفريقي مع الغزو الروسي لأوكرانيا عن حاجة ماسة لمراجعة معالجات استراتيجية للدور الروسي في إفريقيا الذي قام على تبني منطق الحرب الباردة الجديدة، في الوقت الذي تتعدد فيه دواعي إعادة النظر بعمق في مثل هذا المنظور.

فمن ناحيةٍ أولى، لا يمكن بأي حال مقارنة الحضور الروسي في إفريقيا الذي بدأ في التصاعد تدريجياً منذ عودة الرئيس فيلاديمير بوتين لمنصب الرئاسة عام 2012 بالحضور السوفيتي في القارة وفق المؤشرات الكمية للقواعد العسكرية، وحجم الشراكة الاقتصادية، ووفق المؤشرات النوعية كذلك ممثلة في النفوذ السياسي وارتباط أعداد كبيرة من النخب والجماهير الإفريقية بالنموذج الأيديولوجي والثقافي. ومن ناحية ثانية، يكشف الحضور الصيني المكثف في القارة الإفريقية، خاصة من الزاوية الاقتصادية، عن اختلاف بنيوي عن حالة القطبية الثنائية التي سادت خلال الحرب الباردة، بما يتيح للدول الإفريقية هامش مناورة أكثر اتساعاً في بناء الشراكات والتحالفات مع القوى الدولية الكبرى. ومن ناحية ثالثة وأخيرة، تشهد القارة الإفريقية تنامياً مطرداً في حضور القوى الدولية الوسطى على نحو غير مسبوق، بحيث باتت هذه القوى تتمتع بالعديد من المزايا الاستثنائية في القارة بما في ذلك القواعد العسكرية والقدرة على التأثير المباشر والعميق في مسار العمليات السياسية، فضلاً عن بناء شراكات اقتصادية وثيقة ومربحة.

وقد فرض حضورُ هذا النوع من اللاعبين الجدد على الساحة الإفريقية تغيراً جذرياً في منطق المنافسة الدولية مقارنة بالسائد خلال الحرب الباردة على الرغم مما يقتضيه هذا الوضع ضمناً من إكساب هذه المنافسة الكثير من مظاهر التعقد والمرونة، وكذلك بما يوسع من قدرة الدول الإفريقية على استبدال شريك دولي بآخر، أو الجمع بين عدد من الشركاء في بنية متشابكة من العلاقات قد تساعدها على تحقيق أكبر العوائد بأقل التكاليف.

2- تأكيد قدرة الدول الإفريقية على تبني مواقف دولية مستقلة: كشف الصراع في أوكرانيا عن ظاهرة مهمة تمثلت في عجز روسيا عن “تسييل” أصولها المتعددة في القارة الإفريقية التي راكمتها في السنوات العشر الأخيرة، وتحويل قدراتها العسكرية والاقتصادية في القارة إلى نفوذ سياسي مباشر من شأنه التأثير على سلوك الدول الإفريقية بما يجعلها أكثر دعماً وتأييداً للموقف الروسي من قضية تشكل أولوية واضحة للسياسة الخارجية الروسية في اللحظة الحالية. ويجسد هذا الوضع التباين الحاد بين خرائط الحضور الروسي في القارة الإفريقية وخريطة المواقف الإفريقية من الأزمة والتي تجلت في تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلسة طارئة عقدت في 2 مارس الجاري بشأن قرار يشجب العدوان الروسي على أوكرانيا، ويطالب روسيا بالكف الفوري عن استخدام القوة العسكرية ضد أوكرانيا، والامتناع عن أي تهديد أو استخدام غير قانوني للقوة ضد أي دولة عضو بالمنظمة الدولية.

فمن بين الظواهر اللافتة أن إريتريا كانت الدولة الإفريقية الوحيدة التي صوتت ضد القرار، بينما فضلت العديد من الدول الإفريقية اتخاذ قرار بالتغيب عن جلسة التصويت أو الامتناع عنه ومن بينها عدد من الدول التي ترتبط مع روسيا بعلاقات وثيقة على مستوى مبيعات الأسلحة والتعاون الاقتصادي مثل الجزائر ومالي وإثيوبيا وتنزانيا وأنجولا وزيمبابوي وموزمبيق. لكن تظلّ العلامة الأبرز تتمثل في قيام عدد من الدول الإفريقية ذات العلاقات الوثيقة مع روسيا بالتصويت لصالح القرار، مثل نيجيريا والنيجر وغانا وبوتسوانا وزامبيا، وجميعها من الدول التي سبق وأن وقعت مع روسيا اتفاقيات للتعاون في المجالات الدفاعية والعسكرية في السنوات السبع الأخيرة، الأمر الذي يُشير بوضوح إلى ارتفاع مناعة الدول الإفريقية من التأثر “الآلي” بالدور المتنامي لعدد من القوى الدولية في القارة الإفريقية.

3- اتساع مساحة تأثير القارة الإفريقية في القضايا الدولية: لا يمكن التعامل مع التدخل الروسي في أوكرانيا باعتباره ظاهرة “أوروبية” صرفة، وإنما هو ظاهرة منفتحة على العديد من مصادر التأثير والتي قد يأتي بعضها من القارة الإفريقية. فعلى الرغم مما تشهده القارة من نشاط متمدد للعديد من القوى الدولية على ساحتها؛ إلا أن الأمر لا يعني على الإطلاق عجز دولها عن التأثير في حرب تقع في جوارها الشمالي بغض النظر عن آليات هذا التأثير وحجمه. وفي هذا السياق، تتمتع القارة الإفريقية بقدرة على التأثير في الصراع في مرحلة الاشتباك العسكري الدائرة حالياً أو فيما بعد انتهائها وذلك عبر مسارات متعددة للتأثير في ظل ما تتمتع به القارة من أهمية في توفير مصادر للطاقة تشكل بديلاً رئيسياً للقارة الأوروبية عن مصادر الطاقة الروسية، بجانب تأثير الدول الإفريقية على التجارة الدولية في ظل مرور العديد من ممرات الملاحة الدولية الرئيسية في مياهها الإقليمية، فضلاً عن التأثير المحتمل لدخول المزيد من هذه الدول في ترتيبات للأمن الجماعي التي تتجاوز التعاون بينها وبعضها بعضاً وتجمعها بأطراف دولية أخرى، بجانب احتلال إفريقيا موقعاً مهماً في خرائط الهجرة الدولية كمُصدِّر ومُستقبِل في الوقت نفسه، في الوقت الذي تُشكّل فيه التحركات السكانية أحد الأبعاد الرئيسية للأزمة في أوكرانيا.

قيود ذاتية

مقابل هذه الفرص السانحة للدول الإفريقية بفعل التحولات الدولية العميقة التي خلفتها الحرب في أوكرانيا، تظهر العديد من القيود النابعة من مواطن الضعف البنيوية في إفريقيا على المستويين الفردي ومتعدد الأطراف، والتي من شأنها أن تُقلل كثيراً من قدرة القارة على تحقيق الاستفادة المثلى من التغيرات الآخذة في التطور، أو أن تجعلها عرضة لعدد من التداعيات السلبية بالغة الخطورة، وذلك على النحو التالي:

1- التداعيات السلبية لغياب التنسيق في القضايا الدولية: كشف الصراع في أوكرانيا عن تباينات حادة في مواقف الدول الإفريقية أبرزت غلبة الحسابات الوطنية الضيقة لكل دولة على أي مواقف جماعية منسقة في ظاهرة متكررة في تاريخ العمل الإفريقي المشترك منذ الاستقلال لم يخالفها سوى مواقف نادرة شكلت الاستثناء الذي يؤكد قاعدة عجز الدول الإفريقية عن تبني مواقف دولية منسقة أو غياب رغبتها في ذلك من الأصل. ومن بين أبرز الحالات الدالة على هذا الوضع المفارقة التي يكشف عنها التباين الحاد في اتجاهات تصويت أربع من الدول الإفريقية الأكثر تأثيراً إقليمياً ودولياً في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن قرار إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا والذي أيدته نيجيريا، بينما امتنعت كل من الجزائر وجنوب إفريقيا عن التصويت، في الوقت الذي تغيب فيه مندوب إثيوبيا عمداً عن جلسة التصويت.

ويأتي هذا التباين الحاد في مواقف الدول الأربع على الرغم من أن جلسة التصويت تأتي بعد نحو أسبوعين فقط من الإعلان عن تدشين مجموعة الدول الأربع G4 التي تضم كلاً من الجزائر وإثيوبيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، وذلك من أجل تيسير التشاور والتنسيق من أجل حلول عملية وفعالة لمختلف القضايا التي تواجه القارة الإفريقية، وتوحيد المواقف أمام المنظمات والتكتلات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة. وعلى هذا النحو، تبدو فرص بناء موقف إفريقي موحد أو على الأقل غير متعارض من الأزمة الأوكرانية وما سيعقبها من تحولات مهمة على المستوى الدولي ضئيلة للغاية، الأمر الذي قد يقيد فرص القارة الإفريقية من تحقيق استفادة مؤثرة تجاه هذه التحولات.

2- ارتفاع حدة الاستقطاب الدولي في بعض الأقاليم الإفريقية: من بين أبرز القيود التي يمكن أن تعوق استفادة القارة الإفريقية من التحولات الدولية الآخذة في التشكل ما يفرضه القرب الجغرافي لعدد من أقاليم القارة من القارة الأوروبية من فرص للتأثر الكبير بالاستقطاب الدولي المتنامي، والذي يمكن أن يصل لمستويات بالغة الحدة في إقليمي الشمال الإفريقي والقرن الإفريقي. ففي الشمال الإفريقي، تُعد الجزائر حليفاً رئيسياً لروسيا، حيث تعد المشتري الأول للأسلحة الروسية في عموم القارة الإفريقية، وترتبط مع روسيا بتاريخ طويل من العلاقات الوثيقة. كما تمكنت روسيا من تأمين حضور مباشر في التفاعلات الصراعية الدائرة على مسرح العمليات الليبي منذ سنوات.

ومن شأن هذا الوضع أن يجعل من تقليص الحضور الروسي في شمال إفريقيا هدفاً استراتيجياً لحلف الناتو، بما يعزز من حالة الاستقطاب في الإقليم، سواء بين دوله المختلفة أو بين التيارات المتعددة داخل الدولة الواحدة. وبالمثل، تبدو فرص انتقال الاستقطاب إلى منطقة القرن الإفريقي مرتفعة للغاية في ظل محاولات روسيا المكثفة لتأمين حضور عسكري بحري على الساحل الشرقي للقارة الإفريقية وعلى نحو ما كشفت عنه الزيارة الأخيرة لنائب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) لموسكو التي واكبت الأيام الأولى للحرب في أوكرانيا. ومن شأن ارتفاع حدة الاستقطاب الدولي في هذه المنطقة المضطربة أصلاً أن يزيد من فرص غياب الاستقرار فيها لفترة أطول في ظل ما تشهده إثيوبيا والصومال والسودان وجنوب السودان من أوضاع سياسية وأمنية شديدة الاضطراب.

3- انتقال عدوى الحروب التقليدية إلى القارة الإفريقية: من بين أبرز التداعيات السلبية التي قد تترتب على الصراع في أوكرانيا انتقال عدوى الحروب التقليدية للقارة الإفريقية، سواء من حيث مسبباتها المرتبطة بالصراعات الحدودية، أو من حيث أدواتها المتضمنة الاستخدام الكامل للقدرات العسكرية. وتبدو الساحة الإفريقية مُهيَّأة لاستقبال هذه العدوى في المستقبل القريب مع تجدد العديد من النزاعات الحدودية، خاصة في منطقة شرق القارة الإفريقية التي شهدت اشتباكات متكررة بين القوات المسلحة السودانية والإثيوبية في منطقة الفشقة الحدودية، بجانب عجز كافة الآليات السلمية عن تسوية النزاع على الحدود البحرية بين الصومال وكينيا حتى بعد إصدار محكمة العدل الدولية حكمها النهائي لصالح الصومال. وكذلك تأتي الطفرة الكمية والنوعية في تسلح العديد من الجيوش الإفريقية في السنوات الأخيرة، والتي كانت روسيا مسئولة عنها إلى حد بعيد؛ لتزيد من فرص لجوء الدول الإفريقية لهذه الآلية مجدداً في معالجة خلافاتها المتعددة على نحو قد يعصف بالاستقرار الهش القائم في العديد من أقاليم القارة الإفريقية.

مرحلة جديدة

من كلّ ما سبق، يبدو من الواضح أن الصراع في شرق أوروبا سيعيد تشكيل قواعد اشتباك القارة الإفريقية على الساحة الدولية على نحو يمثل قطيعة عن مرحلة ممتدة سابقة بدأت بنهاية الحرب الباردة، تعرضت فيها القارة للعديد من التداعيات السلبية المترتبة على تراجع مكانتها الدولية. لكن تظل قدرة الدول الإفريقية على تحسين وضعها على الساحة الدولية مرتهنة بالأساس بقدرتها على تجاوز العديد من مظاهر الضعف الداخلي، وحماية نفسها من التأثيرات السلبية لهذه التحولات الدولية المتسارعة.