كتائب الظل:
ما حدود انخراط الإخوان في المواجهات المسلحة بالسودان؟

كتائب الظل:

ما حدود انخراط الإخوان في المواجهات المسلحة بالسودان؟



تتصاعد التكهنات حول حدود العلاقة التنظيمية بين تنظيم الإخوان وكتيبة “البراء بن مالك” التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع، خاصة مع وجود بعض المؤشرات على الروابط بينهما، سواء من ناحية الجذور التاريخية لتأسيس تلك الكتيبة، أو صلة بعض قياداتها برموز إسلاموية إخوانية في السودان. ويبرز أن الكتيبة شاركت منذ بداية المواجهات باعتبارها تتبع رسمياً قوات الاحتياط التابعة لوزارة الدفاع، بما يعني صدور موافقة على هذه الخطوة، وإن كانت غير معلنة، فضلاً عن احتمالات زيادة القدرات التسليحية، واستغلال الأوضاع المضطربة لتعبئة الشباب، بما يساهم في تعزيز نفوذها، ومن خلفها تنظيم الإخوان.

إذ تتعدد أوجه تدخل تنظيم الإخوان في المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، على أكثر من مستوى، بالانحياز إلى الجيش منذ الأيام الأولى للمواجهات خلال شهر أبريل الفائت، سواء من خلال تقديم الدعم السياسي أو الإعلامي.

ولكن مع استمرار المواجهات بين الجيش و”الدعم السريع”، وعدم نجاح الوساطات لحلحلة الأزمة رغم مرور بضعة أشهر، وخوض بعض جولات المفاوضات في مدينة جدة، برعاية سعودية أمريكية، يبرز أن ثمة احتمالات لانخراط متزايد من قبل تنظيم الإخوان، على المستوى العسكري، في ضوء روابط قديمة مع كتيبة تُدعى “البراء بن مالك”.

حدود الروابط

يمكن الإشارة إلى طبيعة تأسيس كتيبة “البراء بن مالك”، ومدى ارتباطها بتنظيم الإخوان في السودان، كالتالي:

1- ارتباط التأسيس بمجموعات مسلحة إسلامية: ترتبط كتيبة “البراء بن مالك” بشكل رئيسي بما يُعرف بـ”قوات الدفاع الشعبي” في السودان،التي تشكلت عام 1989 بصفة رسمية، وضمت مجموعات مسلحة إسلاموية،وكانت تقاتل إلى جانب الجيش السوداني في عدد من المناطق جنوب كردوفان والنيل الأزرق وجنوب السودان.

ولكن في عام 2020، أعلن الجيش السوداني حل “الدفاع الشعبي” وتحويلها إلى قوات احتياط تتبع وزارة الدفاع مباشرة، وليس هيئة الأركان، وفقاً لبيان وزارة الدفاع، وبذلك تعطلت المجموعات التي كانت تنشط ضمن “الدفاع الشعبي”، منذ تاريخ حلها وحتى اندلاع المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حتى بروز اسم الكتيبة للقتال بجانب الطرف الأول.

2- وجود ارتباطات مع تنظيم الإخوان: على الرغم من عدم وجود روابط حاسمة في صورة علاقة تنظيمية لكتيبة “البراء بن مالك” بتنظيم الإخوان في السودان،إلا أن جذور تأسيس الكتيبة ضمن “قوات الدفاع الشعبي”، التي انخرطت فيها تيارات إسلاموية، ومن بينها تنظيم الإخوان، يرجح وجود روابط بين الطرفين.

وتشير بعض التقارير الإعلامية إلى علاقة هذه الكتيبة بتنظيم الإخوان، خاصة مع بدء الانخراط في المواجهات، وإشارة بعض قيادات التنظيم إلى امتلاك كتائب مسلحة تسمى “كتائب الظل”، وتحديداً تصريحات الأمين العام السابق للحركة الإسلامية، علي عثمان محمد طه، عام 2018.

وبخلاف ذلك، ربطت بعضُ التقارير أحدَ عناصر الكتيبة الذي قتل خلال المواجهات مع قوات الدعم السريع، ويُدعى محمد الفضل عبد الواحد عثمان، بوزير الخارجية السوداني السابق، مصطفى عثمان إسماعيل، على اعتبار أن “محمد الفضل” ابن شقيقه.

3- أبرز قيادات الكتيبة: عقب مقتل “محمد الفضل” كما سبقت الإشارة، واعتقال قوات الدعم السريع القيادي في الكتيبة “أنس عمر”، فإن “المصباح أبو زيد طلحة إبراهيم” يعد أبرز قيادات الكتيبة، وقائدها الآن، خاصة مع غياب معلومات عن هيكل تلك الكتيبة وقياداتها.

وتعرض “المصباح” لإصابة خلال المواجهات مع قوات الدعم السريع، قبل أن يتلقى العلاج، ويعود لقيادة الكتيبة، إذ نشرت صفحة “إدارة الاحتياط – القوات الخاصة”، بتاريخ 3 أكتوبر 2023: “المصباح أبو زيد طلحة قائد كتيبة البراء بن مالك وصل بحمد الله وتوفيقه إلى أم درمان بعد رحلة علاجية بعطبرة”.

طبيعة الدور

وبالنظر إلى ثبوت مشاركة كتيبة “البراء بن مالك” والانحياز إلى الجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع، وفي ضوء المعلومات المتوفرة حول الكتيبة، يمكن تحديد طبيعة الدور القتالي لها، كالتالي:

1- الانحياز إلى الجيش السوداني: يتّضح أن كتيبة “البراء بن مالك” تنحاز إلى الجيش السوداني في المواجهات ضد قوات الدعم السريع. ومع المشاركة في العمليات ضد الأخير، فإن ذلك يُظهر أنه تم اتخاذ قرار تفعيل عمل تلك الكتيبة من قبل قيادات وزارة الدفاع، إذ إنها تعمل ضمن ما يُعرف بـ”قوات الاحتياط” التابعة للوزارة.

ورغم أنها خطوة قد تبدو طبيعية، وفقاً لظروف وسياقات المشهد العملياتي في السودان، بتقدم قوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم، ومحاولة اقتحام مقر القيادة، الذي كان يضم رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان، وقادة الجيش؛ إلا أنها تحمل تساؤلات حول حدود التفاهمات بين الجيش السوداني والتيار الإسلاموي، ولا سيما تنظيم الإخوان، خاصة وأن الكتيبة محسوبة على ذلك التيار، وفقاً للجذور التاريخية لتأسيسها وعلاقاتها مع النظام السوداني السابق.

وهنا، فإن عمل الكتيبة ليس طوعياً خارجاً عن سيطرة وزارة الدفاع، وإنما انخراطها في القتال جاء بموافقة رسمية غير معلنة على ما يبدو.

2- المشاركة منذ بداية المواجهات المسلحة: يمكن ملاحظة أن الكتيبة شاركت في العمليات العسكرية إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع، منذ الأيام الأولى للمواجهات العنيفة بين الطرفين، وهو ما يبرز من خلال مقاطع فيديو لعناصر من تلك الكتيبة، وهم داخل أحد المقرات العسكرية التابعة للجيش السوداني، ويحملون الأسلحة، ويتعهدون بالقتال إلى جانب الجيش، وفقاً لما جاء على صفحة “قوات الاحتياط” عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.

واللافت أنّ أحد المقاطع جاء بتاريخ 15 أبريل 2023، بعنوان: “الله أكبر.. لواء مجاهدي كتيبة البراء بن مالك إدارة القوات الخاصة.. يستلم التسليح الآن”، بما يشير إلى تسليم عناصر الكتيبة للأسلحة، داخل أحد المقرات العسكرية، لبدء الانخراط في العمليات القتالية ضد قوات الدعم السريع، منذ بداية المواجهات.

3- غلبة البُعد الشخصي على طبيعة القدرات التسليحية: تظهر بعض مقاطع الفيديو لكتيبة “البراء بن مالك” أن القدرات التسليحية يغلب عليها التسليح الشخصي، سواء الأسلحة الخفيفة أو المتوسطة، ولكن تشير بعض المنشورات على صفحة “إدارة الاحتياط – القوات الخاصة”، إلى امتلاك قوات الاحتياط أسلحة نوعية، وطائرات من دون طيار.

ورغم عدم الإشارة إلى حصول كتيبة “البراء” على تلك الأسلحة النوعية، مقارنة بتسليح عناصرها البسيط والمتوسط، إلا أنه أمر غير مستبعد في ظل الروابط بين الكتيبة وقوات الاحتياط، خاصة وأن الأخير يعلن أن هناك بعض الأسلحة التي تم تصنيعها في السودان.

ولكن بشكل عام، قد تلجأ تلك الكتيبة إلى توظيف الوضع الراهن المضطرب في السودان، وحالة عدم الاستقرار، للتجهيز لشراء أسلحة من الخارج، حال القدرة على ذلك، وتوفر تمويلات لازمة من قبل تنظيم الإخوان.

4- تنفيذ عمليات تعبئة للشباب: بالنظر إلى إقدام قوات الاحتياط التي تتضمن كتيبة “البراء” على التعبئة، وفقاً للقرارات الرسمية، فإنه يحتمل أن الكتيبة تقوم بعملية تعبئة للشباب، وتحديداً من الشباب التابع للتيار الإسلاموي للانضمام إليها، أو إلى قوات الاحتياط بشكل عام، خاصةً وأن الأخيرة تفتح الباب أمام انضمام عناصر جديدة.

إذ تُظهر بعض الصور التي تروج لها صفحة قوات الاحتياط على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، بعض الشباب في معسكرات للتدريب على حمل السلاح، وقالوا إنها استجابة للتعبئة التي أطلقتها القيادة السودانية متمثلة في وزارة الدفاع، بقيادة عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي.

توسيع النفوذ

ومن شأن مشاركة كتيبة “البراء بن مالك” في المشهد العملياتي، ضد قوات الدعم السريع، وبغض النظر عن حدود العلاقة التنظيمية مع تنظيم الإخوان، إلا أن تشكيلها في الأساس يغلب عليه الطابع الإسلاموي، وبالتالي يمكن أن تكون تلك الكتيبة محاولة لتوسيع نفوذ الإخوان في السودان مجدداً، مع خلال استقطاب مؤيدي الجيش السوداني، وبالتالي إمكانية العودة للمشهد السياسي عقب انتهاء المواجهات، بغض النظر عن مسارات التسويات، ولكنّ هذا يرتبط باستمرار قيادات الجيش الحالية.