دوافع متنوعة:
لماذا لا تُشارك تركيا في العقوبات الاقتصادية على موسكو؟

دوافع متنوعة:

لماذا لا تُشارك تركيا في العقوبات الاقتصادية على موسكو؟



مع تصاعد تطورات الأزمة الأوكرانية، عادت للواجهة قضية العقوبات التي فرضتها القوى الغربية وحلف الناتو على روسيا، ومدى مشاركة تركيا في هذه الخطوة. وتصاعد الجدل بعد إعلان تركيا المشاركة في استهداف روسيا اقتصادياً. وثمة العديد من الدوافع التي تقف وراء القرار التركي بعدم المشاركة في فرض العقوبات على موسكو، وفي الصدارة منها الارتباط الاقتصادي بين أنقرة وموسكو، إضافة إلى اعتماد القطاع الزراعي التركي على السوق الروسية بصورة كبيرة، فضلاً عن تحصين المصالح السياسية بين البلدين في مناطق الصراعات. والأرجح أن تركيا بجانب الدوافع الحاكمة لها إزاء ملف العقوبات، فإنها تستهدف توظيف ملف العقوبات لتحقيق اختراق أكبر للسوق الاقتصادية الروسية، وضمان إمداداتها من الغاز الروسي.

على الرغم من اتخاذ تركيا مواقف صريحة منددة بالتدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، والتأكيد على دعم وحدة الأراضي الأوكرانية؛ إلا أن أنقرة رفضت بشكل مطلق أن تكون جزءاً من الإجراءات الاقتصادية والمالية التي فرضتها واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون على موسكو، وشملت فرض عقوبات على عدد من الشخصيات والبنوك الروسية، بالإضافة إلى تقييد وصولها إلى أسواق المال الأوروبية وتقييد تجارتها مع الاتحاد الأوروبي. كما حظرت واشنطن التعامل مع مؤسسة VEB الروسية وبنكها العسكري، في محاولة للتأثير على قدرة روسيا على تمويل عملياتها العسكرية. وقد أعلنت تركيا، مطلع مارس الجاري، على لسان المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، أنها لا تخطط للالتحاق بالعقوبات ضد روسيا، حفاظاً على العلاقات التجارية الوثيقة معها، وأضاف: “يجب أن نتصرف مع مراعاة أولويات بلادنا. يجب أن يكون هناك طرف قادر على التفاوض مع روسيا. من سيتحدث مع روسيا عندما يحرق الجميع الجسور؟ لا نخطط لفرض العقوبات لإبقاء هذه القناة مفتوحة”.

اعتبارات حاكمة

وعلى الرغم من توصيف أنقرة للأزمة الأوكرانية بــ”حالة حرب”، وإغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل في وجه السفن الروسية، إلا أنها بقيت خارج منظومة العقوبات الأمريكية والأوروبية التي فُرضت على الاقتصاد الروسي، وأكد الرئيس أردوغان في حواره الهاتفي مع نظيره الروسي، في 6 مارس، على أهمية الانخراط في حوار غير مشروط لتسوية الأزمة. وثمة العديد من الاعتبارات التي تقف وراء رفض أنقرة الاستجابة للضغوط الغربية للمشاركة في العقوبات المفروضة على موسكو، ويمكن بيان ذلك على النحو التالي:

1- الارتباط الاقتصادي بين أنقرة وموسكو: ترتبط تركيا مع موسكو بشراكة اقتصادية واسعة، تفرض عليها عدم الانخراط في أية عقوبات تستهدف النظام الروسي، حيث تعتمد تركيا بشكل كبير على تجارتها مع روسيا، ولا سيما فيما يتعلق بإمدادات الغاز الطبيعي. ويُضاف إلى ذلك، ارتفاع المبادلات التجارية مع روسيا، حيث توجهت تركيا في السنوات الأخيرة إلى تنويع شركائها التجاريين خارج منظومة الدول الغربية، والتوسع في تجارتها مع روسيا على وجه خاص، ليصل حجم التجارة السنوية لتركيا 34,7 مليار دولار مع روسيا مقابل 7,4 مليارات دولار مع أوكرانيا. وتعتبر روسيا من أكبر شركاء تركيا في الصادرات والواردات، ناهيك عن أن ما يقرب من 21 في المائة من أنشطة شركات البناء التركية في الخارج تعمل في روسيا وفقاً لبيانات معهد الإحصاء التركي. وراء ما سبق، تعتمد تركيا بصورة لافتة على السياحة الروسية، إذ تشير البيانات إلى استقبال تركيا أكثر من 3 ملايين سائح روسي بنهاية عام 2021، وبزيادة قدرها نحو 120 في المائة مقارنة بالعام 2020.

2- الارتدادات السلبية للعقوبات على الداخل التركي: ثمة تخوف تركي من تصاعد الارتدادات السلبية للعقوبات الغربية التي تستهدف موسكو على الأوضاع المعيشية في الداخل التركي، حيث إن استبعاد موسكو من النظام المالي العالمي قد تمتد أضراره إلى تركيا التي تتعامل معها في علاقات تجارية ومالية، ولا سيما القطاعات التركية التي تتوجه بصادراتها إلى السوق الروسية، حيث تمثل روسيا سوقاً للصادرات الزراعية التركية، مثل الحمضيات والعنب والخضروات الطازجة والفاكهة والآلات الزراعية، وهو ما يعني أن مشاركة تركيا في أية عقوبات على موسكو قد يضر بصادراتها للسوق الروسية، على نحو قد يحمل ارتدادات سلبية على قطاعات واسعة من المواطنين الأتراك العاملين في قطاع الزراعة، والشركات التركية التي تتعامل مع السوق الروسية.

أيضاً يعود الرفض التركي للمشاركة في العقوبات على روسيا إلى مخاوفها من انعكاسات ذلك على قطاعها الصناعي، الذي يعمل فيه الملايين من الأتراك، ويعتمد في تصريف جانب معتبر من منتجاته على السوق الروسية، وبخاصة في قطاع البلاستيك، وقطع غيار مركبات النقل البري والمنسوجات وملحقاتها.

3- الحفاظ على التوازنات السياسية: ثمة اعتبارات سياسية تتعلق برفض تركيا المشاركة في العقوبات الغربية على موسكو، وفي الصدارة منها الحفاظ على التوازنات السياسية، والاعتبارات المصلحية المشتركة بين البلدين في مناطق الصراعات.كما أن حيادية الموقف التركي تجاه العقوبات المفروضة على موسكو لا ينفصل عن رغبتها في عدم إغضاب موسكو، إذتخشى أنقرة الدخول في “موقف عدائي” مع روسيا قد يفجر ملفات خلافية بين البلدين في سوريا وليبيا والقوقاز، ومناطق أخرى.

في المقابل، تُدرك أنقرة التي ترتبط بعلاقات جيدة مع موسكو أن الانخراط في العقوبات الغربية على روسيا، قد لا يحمل ميزات سياسية لها، خاصة أن القضايا الخلافية والملفات العالقة بين تركيا والقوى الغربية لا تزال على أشدها، ففي الوقت الذي يعارض فيه الاتحاد الأوروبي لحاق تركيا بعضويته، فتحت أوروبا أبوابها أمام عضوية أوكرانيا. كما أن واشنطن لا تزال تصر على استبعاد أنقرة من منظومة إنتاج المقاتلات F35، وترفض الموافقة على منظومة الدفاع الصاروخية باتريوت، ناهيك عن الدعم الغربي لقبرص واليونان في مواجهة التحركات التركية شرق المتوسط.

4- حرص تركيا على تبني سياسة مرنة: وهو ما تعكسه المواقف التركية تجاه الأزمة، ففي الوقت الذي اعتبرت فيه تركيا أن هناك حالة حرب بين روسيا وأوكرانيا؛ فإنها أكدت في الوقت ذاته عدم إيمانها بجدوى سياسة العقوبات التي ثبت فشلها كسياسة ناجحة في إدارة الأزمات السياسية الدولية، أو لجم أطراف الصراع وقت الحروب، وظهر ذلك -على سبيل المثال- في معارضة أنقرة للعقوبات الغربية المفروضة على إيران. وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، مطلع مارس الجاري، أن بلاده لا تميل للانخراط في عقوبات اقتصادية تستهدف روسيا، وأضاف: “العقوبات المفروضة على موسكو قد تؤثر سلباً على أعضاء الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى أيضاً بجانب الاقتصاد الروسي”.

5- ضعف مردود العقوبات الاقتصادية على موسكو: تعي تركيا أن سلاح العقوبات الاقتصادية على موسكو قد لا يحقق المستهدف منه، بالنظر إلى قدرة الاقتصاد الروسي على الصمود أمام مثل هذه العقوبات في ظل الملامح الهيكلية لهذا الاقتصاد. وبحسب قطاع واسع من المراقبين، فإن روسيا عمدت خلال السنوات الماضية إلى زيادة احتياطاتها الأجنبية، والتي وصلت قيمتها إلى نحو 620 مليون دولار، ويمكن استعمال هذه الاحتياطات النقدية في مواجهة العقوبات الغربية.

أهداف حاكمة

تُشير تصريحات المسؤولين الأتراك حول رفض المشاركة في العقوبات الغربية المفروضة علىروسيا إلى أن هناك أهدافاً رئيسية تسعى إليها تركيا عبر الابتعاد عن الرؤية الغربية حيال الأزمة الأوكرانية:

أولها: تعزيز الضغط على القوى الغربية لحلحلة القضايا الخلافية مع تركيا، والتي وصلت إلى الذروة خلال الفترة الماضية، وإيصال رسالة للغرب بأن تركيا لا تزال نقطة الاستناد الاستراتيجية في لجم التمدد الروسي، وهو ما تجلى في إدانة الرئيس التركي للسلوك الغربي في التعامل مع الأزمة الأوكرانية. كما أن تركيا تعتبر موسكو في هذه المرحلة جزءاً من مشروعها في مواجهة الضغوطات الغربية التي تتعرض لها منذ وقت، حيث تدرك تركيا الأهمية الاستراتيجية لروسيا في العلاقات الدولية، فضلاً عن الأهمية العسكرية بين أنقرة وموسكو.

ثانيها: رغبة أنقرة التي فقدت جانباً من أسواقها مع الغرب بسبب الملفات الشائكة والانتقادات الغربية للنظام السياسي التركي، في تعزيز العلاقة مع موسكو في المجالات كافة، وبخاصة في المجال الاقتصادي من خلال استثمار سياسة العقوبات الغربية لزيادة صادراتها لروسيا، وهو ما قد يمثل فرصة للاقتصاد التركي الذي يعاني أزمة هيكلية غير مسبوقة.

ثالثها: أن الرفض التركي للانخراط في العقوبات المفروضة على موسكو، لا ينفصل عن تفكير الإدارة التركية في الضغط على موسكو للسرعة في تجديد عقود توريد الغاز الروسي إلى تركيا، والتي انتهت مدتها نهاية عام 2021، إضافة إلى استثمار العقوبات الغربية على موسكو لدفع الأخيرة نحو تمديد عقود توريد الغاز الحالية، وزيادة مدة التوريد، وربما الحصول على أسعار تنافسية، خاصة مع احتمال توجه روسيا نحو قطع إمداداتها الغازية إلى أوروبا.

الحياد الحذر

خلاصة القول، إن ثمة اعتبارات متنوعة تدفع أنقرة نحو عدم المشاركة في العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، على نحو يتطلب الحياد أو على الأقل الحذر تجاه التعامل مع تطورات الأزمة الأوكرانية. كما أن ثمة أهدافاً مصلحية تدفع تركيا إلى عدم المشاركة في العقوبات المفروضة على موسكو، فحيادية تركيا في هذا الملف تسمح لها بضمان مصالحها الاستراتيجية مع موسكو، وبخاصة في المجال الاقتصادي الذي يمثل أولوية لتركيا خلال هذه المرحلة.