انهيار التحالف:
لماذا تم عزل حمدوك رئيس الحكومة الانتقالية بالسودان؟

انهيار التحالف:

لماذا تم عزل حمدوك رئيس الحكومة الانتقالية بالسودان؟



شهدت السودان صباح اليوم الاثنين 25 أكتوبر الجاري، الإطاحة بالحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، حيث أشارت تقارير إخبارية بشأن اللقاء القبض على عدد من الوزراء في حكومة عبدالله حمدوك، ومنهم وزيري الصناعة والإعلام ووزراء آخرين. وقد صرح مكتب رئيس الوزراء السوداني لـ«سكاي نيوز عربية»، إنه تم وضع رئيس الحكومة عبدالله حمدوك تحت الإقامة الجبرية. ويرجع انهيار التحالف بين المكون العسكري والمدني في السودان لأسباب عدة ومنها:

ملامح رئيسية

1- تحركات الشارع: بالرغم من حالة الهدوء النسبي في الحراك الشعبي في الشهور الماضية، فإن هذا الحراك لم ينقطع بالكلية، حيث شهدت الآونة الأخيرة خروج بعض المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات الأخرى، ولأسباب مختلفة، بعضها متعلق بالاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية المتراجعة، وبعضها سياسي متصل بالخلافات بين فرقاء السلطة. فعلى سبيل المثال، اندلعت تظاهرات في العاصمة السودانية الخرطوم في 16 أكتوبر الجاري، وذلك عقب دعوة مجموعة “الإصلاح” أو مجموعة “التوافق” المنشقة عن قوى الحرية والتغيير، للحشد الجماهيري للتعبير عن تأييدهم لمطالب الفريق “عبدالفتاح البرهان” بحل الحكومة الحالية برئاسة “عبدالله حمدوك”، ومطالبين “البرهان” بإصدار “بيان عسكري” لإعلان حل الحكومة وتولي المؤسسة العسكرية السلطة منفردة لحين إجراء انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة جديدة، وهو ما دفع قوى الحرية والتغيير للدعوة إلى خروج مظاهرات مؤيدة للحكم المدني، يوم 21 أكتوبر الجاري، تحت شعار “مواكب الردع” لدعم التجربة المدنية ورفض الحكم العسكري.

2- الخلافات السياسية: وهو أمر يرتبط بصورة رئيسية بتراجع التوافق والثقة بين شركاء الحكم، أو بمعنى أدق بين المكونين المدني والعسكري، ولعل هذا ما عبرت عنه تصريحات الفريق “عبدالفتاح البرهان”، رئيس مجلس السيادة الوطني، بحل الحكومة الانتقالية الحالية برئاسة “عبدالله حمدوك” وتوسيع قاعدة المشاركة في الحكم، خلال كلمته التي ألقاها، في 11 أكتوبر 2021، على مجموعة من ضباط وضباط صف وجنود منطقة “بحري” العسكرية بحضور رئيس هيئة الأركان ونوابه والمفتش العام وعدد من قادة الوحدات والأفرع، وهي التصريحات التي جاءت عقب فشل طرفي السلطة في التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد أرضية مشتركة لتجاوز الخلافات المتصاعدة وحل الأزمة السياسية الحالية في البلاد. ومما زاد من تعقيد هذه الأزمة لجوء الطرفين إلى الشارع لدعم موقفهما والضغط على الطرف الآخر.

3- أزمة شرق السودان: حيث بدا أن العلاقة بين شرق السودان والحكومة المركزية في الخرطوم ليست على ما يرام، وخاصة بعد إعلان المجلس الأعلى لنظارات البجا، يوم 18 سبتمبر الماضي، إغلاق الطرق المؤدية لإقليم شرق السودان بولاياته الثلاث البحر الأحمر وكسلا والقضارف بجانب وقف الملاحة البحرية وإغلاق مطار بورتسودان، وهي الخطوة التي عكست تعثر مسار السلام في شرق السودان، وتصاعد الخلافات بين القوى السياسية بشأن تقاسم الثروة على وجه الخصوص، وكذلك تزايد المطالب بالحكم الذاتي لشرق السودان على حدود عام 1956.

4- المعضلة الاقتصادية: وهي تمثل تحدياً جوهرياً للاستقرار السياسي في السودان، فقطاع واسع من السودانيين ينظرون بصورة سلبية لإجراءات الإصلاح الاقتصادي التي تطبقها الحكومة الانتقالية برئاسة “عبدالله حمدوك”، ويعتبرون أن هذه الإجراءات ساهمت في تعميق معاناتهم الاقتصادية وتردي أوضاعهم المعيشية، كما أن إجراءات الحماية الاجتماعية للفئات والطبقات الفقيرة والمهمشة لا تزال غير كافية لحماية تلك الفئات من تداعيات برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وضعه البنك الدولي، حيث لم تفلح بعض إجراءات الحكومة في الحد من تداعيات الأزمة الاقتصادية على المواطنين، وهو ما دفع الحكومة للإعلان في 17 أكتوبر الجاري عن الاستمرار في تنفيذ برنامج “ثمرات” لمساعدة الأسر الفقيرة، من خلال بدء المرحلة الثالثة منه في شهر نوفمبر المقبل ليشمل أربع ولايات (نهر النيل، الجزيرة، القضارف).

5- أهداف القوى المضادة: فمنذ إسقاط الثورة الشعبية لنظام الإنقاذ وحتى الآن، تعاني البلاد من مخططات أنصار النظام السابق وتنظيم الحركة الإسلامية الهادفة للانقلاب على نظام الحكم والعودة للسلطة مرة أخرى، وقد ساعدها على ذلك هشاشة الأداء السياسي لقوى الحرية والتغيير خلال تلك الفترة الزمنية، وذلك رغم الإجراءات العديدة التي اتخذتها الحكومة الانتقالية لإزالة التمكين وتفكيك النظام السابق الذي يتغلغل عناصره ومؤيدوه داخل مؤسسات الدولة العميقة، ولا سيما داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية.

ولعل هذا ما يفسر، ولو بصورة جزئية، إعلان عدد من قوى الحرية والتغيير (الائتلاف الحاكم في السودان)، في شهر سبتمبر الماضي، التوقيع على إعلان سياسي يُمهد لوحدة التحالف بمؤسساته القائمة التي تضم المؤتمر العام والهيئة العامة والمجلس المركزي والمكتب القيادي، ويهدف إلى إصلاح الحرية والتغيير وصولاً إلى دولة مدنية ديمقراطية، وإنجاح الفترة الانتقالية، والوصول إلى انتخابات حرة. إذ بدا هذا الإعلان بمثابة محاولة من قوى الحرية والتغيير لتوحيد صفوفها في مواجهة مخططات الثورة المضادة لإسقاط الحكومة الانتقالية.

6- الفراغات الأمنية: فثمة تخوف من أن تؤدي الأزمات السياسية والاقتصادية إلى إنتاج فراغات أمنية توظفها بعض التنظيمات الإرهابية من أجل تعزيز حضورها في السودان، ويظهر هذا التخوف مع إعلان السلطات السودانية، في 28 سبتمبر الفائت، عن إلقاء القبض على إحدى الخلايا الإرهابية التابعة لتنظيم داعش، والمكونة من 15 شخصاً من جنسيات مختلفة (تم إلقاء القبض على 11 منهم، فيما تمكن أربعة آخرون من الفرار)، وذلك بإحدى البنايات في ضاحية “جبرة” جنوب العاصمة الخرطوم، وأسفرت العملية عن القبض على عناصر هذه الخلية، كما تم القبض بمدينة بورتسودان على زعيمها ويدعى “محمود” وهو مصري الجنسية، وأيضاً مقتل خمسة (ضابطين، و3 ضباط صف) من أفراد الشرطة السودانية وإصابة عدد آخرين.

وفي هكذا سياق، ربما تحاول التنظيمات الإرهابية، على غرار داعش، استغلال حالة السيولة الأمنية المتزايدة في السودان، ولا سيما بعد تصاعد حدة الاشتباكات القبلية والعرقية في عدد من الولايات السودانية، وخاصة في شرق البلاد وفي إقليم دارفور، وأيضاً في العاصمة الخرطوم التي شهدت توسعاً في أنشطة بعض العصابات المسلحة، وذلك قبل أن تقوم السلطات الأمنية بفرض سيطرتها، وتعزيز تواجدها الأمني، وفرض سيادة الدولة على كافة المناطق التي تعرضت لعمليات النهب والسرقة للممتلكات العامة والخاصة وترويع المدنيين، هذا إلى جانب انتشار الأسلحة في أيدي المواطنين والقبائل بصورة واسعة.

وتأسيساً على ما سبق، يُناقش هذا الملف، الذي يضم تحليلات وتقديرات مركز العالم العربي وفريق موقع الحائط العربي، أبعاد التحولات السياسية التي يشهدها السودان، وملامح التأزم السياسي والاقتصادي كمدخل لفهم أسباب ما حدث من عزل حكومة عبد الله حمدوك وانهيار التحالف بين المكون العسكري والمدني في السودان.