إجراءات تصحيحية:
دلالات حل المجلس الأعلى للقضاء في تونس

إجراءات تصحيحية:

دلالات حل المجلس الأعلى للقضاء في تونس



أصدرت مؤسسة الرئاسة على صفحتها الرسمية بموقع “فيسبوك” مرسوماً، في 12 فبراير 2022، يقضي بحل المجلس الأعلى للقضاء وإنشاء مجلس آخر مؤقت، وذلك عقب إعلان اجتماع الرئيس التونسي “قيس سعيد” مع رئيسة الحكومة “نجلاء بودن” ووزيرة العدل “ليلى جفال” بقصر الرئاسة وتأكيده على احترامه استقلالية القضاء. وكان الرئيس “قيس سعيد” قد أعلن في مطلع شهر فبراير الجاري عزمه اتخاذ هذا الإجراء، معتبراً أن هذا المجلس أصبح من الماضي بسبب الفساد الذي أصبح منتشراً داخل المنظومة القضائية.

عوامل الخلاف

شهدت الأشهر القليلة الماضية تصاعداً للخلافات بين رئيس الدولة “قيس سعيد” والمجلس الأعلى للقضاء قبل حله في 6 فبراير الجاري، وبدأت هذه الخلافات في التصاعد منذ إعلان المجلس الأعلى للقضاء أنه بمنأى عن الأزمة السياسية التي تصاعدت بعد إعلان الرئيس الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو الماضي، وهو ما دفع الرئيس للاجتماع بعدد من القضاة والبدء في توجيههم في مجموعة من القضايا من أبرزها: الانتهاكات التي شهدتها الانتخابات البرلمانية والرئاسية في عام 2019، وتورط بعض المرشحين والأحزاب في الحصول على تمويلات أجنبية؛ إلا أن توجيهات الرئيس اعتبرها المجلس الأعلى للقضاء تدخلاً في طبيعة عملهم، ورفضوا المساس بالبناء الدستوري للسلطة القضائية؛ غير أن هناك عدداً من الأسباب التي ساهمت في تصاعد هذه الخلافات ومن أبرزها ما يلي:

1- إلغاء المنح المالية للقضاة: حيث تفجرت الخلافات بين رئيس الدولة “سعيد” وأعضاء المجلس الأعلى للقضاء (45 عضواً) عندما أصدر الأول قراراً في 19 يناير الماضي بإلغاء المزايا والمنح المالية الممنوحة لأعضاء ذلك المجلس، وهو الإجراء الذي أثار غضب القضاة الذين وصفوا ذلك القرار بانتهاك الرئيس لاستقلالية القضاء، ورفضهم حملات التشويه التي يقودها الرئيس وأنصاره ضد القضاة.

2- تطهير القضاء من العناصر الفاسدة: جاء قرار الرئيس “قيس سعيد” بحل المجلس الأعلى للقضاء واستحداث مجلس أعلى مؤقت للقضاء استجابة لدعوات المؤيدين لرئيس الدولة الذين تظاهروا في 7 فبراير الجاري مطالبين إياه بتطهير القضاء وحل المجلس الأعلى للقضاء، وذلك في خطوة تصعيدية من قبل مؤيدي الرئيس “سعيد” ضد المجلس الذي لم يكن يتمتع بشعبية كبيرة داخل المجتمع التونسي، وهو ما استند إليه المرسوم الرئاسي الذي استحدث مجلساً مؤقتاً للقضاء للقيام بمهام المجلس السابق، والعمل على تطهير القضاء من القضاة الفاسدين.

3- التماهي مع الانتقادات الرئاسية للقضاة: شهدت الشهور الستة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في خطاب الرئيس “قيس سعيد” ضد القضاة، حيث تبنى خطاباً ناقداً طوال الوقت لهم، متهماً إياهم بالآتي:

أ- تأخير البت في الكثير من القضايا المتعلقة بالفساد المالي والإداري والسياسي المنظورة أمام الهيئات القضائية في البلاد، واتهام بعض القضاة خلال الفترة الأخيرة بإطلاق سراح بعض المتهمين في قضايا فساد بعد انتهاء التحقيقات معهم، وذلك بعد أن بذلت السلطات الأمنية جهوداً كبيرة لإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمات.

ب- اتُّهم البعض منهم بالتورط في الفساد من خلال استغلال وظائفهم كقضاة في الحصول على امتيازات ليست من حقهم، وتكوين ثروات مالية طائلة بشكل يدعو لمحاسبتهم، واستغلال أعضاء المجلس الأعلى للقضاء قبل حله ببيع وتوزيع المناصب بناء على الولاءات، وهو ما يؤثر على مبدأ تكافؤ الفرص بين القضاة في الحركة السنوية لتوزيعهم على الدوائر القضائية على مستوى البلاد.

ج- اتهام الرئيس للقضاة بالتواطؤ مع حركة النهضة لعدم إصدار حكم قضائي نهائي في قضية اغتيال الناشط اليساري “شكري بلعيد” الذي تم اغتياله عام 2013، ومنذ ذلك الحين لم يصدر قرار في هذه القضية، ويرجع ذلك بسبب رئيسي إلى تواطؤ نائب رئيس حركة النهضة المعتقل “نور الدين البحيري” الذي استغل منصبه كوزير للعدل في الفترة 2013، وتعيين العديد من القضاة الموالين لحركة النهضة، الأمر الذي أثار غضب الرئيس ودفعه نحو الإصرار على اتخاذ مواقف أكثر تشدداً مع السلطة القضائية.

4- انتقاد الرئيس لدولة القضاء: كما جاء قرار استحداث مجلس مؤقت للقضاء بدلاً من المجلس السابق الذي قام بحله رئيس الدولة؛ نظراً لأنه رفض تصاعد سلطات وصلاحيات ونفوذ أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما أكد عليه الرئيس “قيس سعيد” بقوله إن القضاء هو مجرد وظيفة وليس سلطة مستقلة عن الدولة، وإن السلطة والسيادة للشعب وليس لأحد آخر.

إجراءات تصعيدية

أثار المرسوم الرئاسي الذي يقضي بحل المجلس الأعلى للقضاء واستحداث مجلس أعلى مؤقت، ردود أفعال متباينة على المستويين الداخلي والخارجي، حيث اتخذ بعض القضاة بعض الإجراءات التصعيدية المعبرة عن رفضهم لما وصفوه بتدخل رئيس الدولة في عمل السلطة القضائية، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1- إصدار البيانات الرافضة: ففي أول رد فعل لهم على قرار حل المجلس الأعلى للقضاء، أصدرت جمعية القضاة بياناً وصفت فيه قرار تشكيل المجلس المؤقت بأنه انتهاك لمسألة الفصل بين السلطات (التنفيذية – التشريعية – القضائية)، وأنه يعد تدخلاً سافراً في عمل السلطة القضائية، كما أن مرسوم تشكيل المجلس المؤقت مخالف للمادة الـ36 من الدستور التي تكفل حق القضاة في الإضراب، كما أنه يعد تكريساً لسيطرة رئيس الدولة على كافة السلطات.

2- تنظيم المظاهرات الحاشدة: قامت جمعية القضاة وحركة النهضة وحراك “مواطنون ضد الانقلاب” بتنظيم مظاهرات واحتجاجات في العاصمة تونس للتعبير عن رفضهم للإجراءات الأخيرة التي اتخذها الرئيس “قيس سعيد” متهمين إياه بتكريس الحكم الفردي، ومطالبين بعزله من منصبه، وذلك في محاولة للضغط على رئيس الدولة للتراجع عن قراراته، وتأليب الرأي العام الداخلي ضده، وإثارة الإضطراب والإرباك السياسي المستمر منذ شهر يوليو الماضي.

3- إعلان النضال السلمي: وفي إطار رفض القضاة لقرار حل المجلس الأعلى للقضاء وتشكيل آخر مؤقت تحت إشراف رئيس الدولة، أعلن اتحاد القضاة الإداريين استعداده لاتخاذ كافة أشكال المقاومة السلمية من أجل الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية التي افتقدت أدنى مقومات الاستقلال، بسبب تدخل الرئيس “قيس سعيد” في السلطة القضائية.

دلالات هامة

يحمل قرار حل المجلس الأعلى للقضاء واستحداث مجلس مؤقت أعلى بدلاً منه، عدداً من الدلالات السياسية الهامة، من أبرزها ما يلي:

1- إقرار الإصلاحات السياسية والدستورية الجذرية: يُعد قرار استحداث المجلس المؤقت للقضاء الأعلى من ضمن الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الدولة منذ شهر يوليو الماضي وحتى الوقت الراهن، بهدف القضاء على الفساد بشتى صوره، بما يهيئ البيئة الداخلية المناسبة لإجراء الإصلاحات السياسية والدستورية التي أعلنها الرئيس “قيس سعيد” في خريطة الطريق الخاصة بهذه الإصلاحات في 13 ديسمبر الماضي، والتي بدأها بالاستشارة الإلكترونية في يناير الماضي، على أن يتم استكمالها بإجراء استفتاء في شهر يوليو الماضي، على أن تنتهي بإجراء انتخابات برلمانية في 17 ديسمبر المقبل.

2- اجتثاث جذور النهضة من مؤسسات الدولة: حيث جاء حل هذا المجلس الذي يعد نموذجاً لامتداد وتعمق نفوذ النهضة في مؤسسات الدولة الدستورية، خاصة وأن حركة النهضة هي التي استحدثت هذا المجلس عام 2016، وقامت بتعيين القضاة الموالين له بداخله للتحكم في توظيف القضاء لصالحهم، وهو ما يؤكد اتهامات رئيس الدولة للقضاة بتأخير البت في قضايا الإرهاب واغتيال الناشطين السياسيين، لحماية قيادات حركة النهضة من التعرض للمحاكمات بسبب تورطهم في تشكيل الجهاز السري للحركة المسؤول عن هذه الاغتيالات السياسية طوال السنوات العشر الأخيرة، وبالتالي فإن قرار الحل جاء في إطار إجراءات رئيس الدولة لاجتثاث جذور الإخوان من داخل مؤسسات الدولة.

3- القضاء على مؤسسات ما قبل مرحلة 25 يوليو: كما تأتي هذه الإجراءات استكمالاً للإجراءات الاستثنائية التي بدأها الرئيس “قيس سعيد” بهدف القضاء على مؤسسات مرحلة ما قبل 25 يوليو الماضي، واستحداث مؤسسات جديدة تعمل على تحقيق المصالح الوطنية للدولة التونسية، وليس المصالح الخاصة بحزب سياسي أو جماعة، الأمر الذي يساعده في وضع أسس ومعايير جديدة تتسم بالنزاهة والشفافية لإنشاء مؤسسات وطنية تنحاز إلى المواطن التونسي وتعمل على تلبية احتياجاته، وذلك في إطار الحركة التصحيحية التي أعلنها الرئيس “سعيد” في البلاد، وتأكيده المستمر على عدم الرجوع لمرحلة ما قبل 25 يوليو الماضي.

4- عدم الاستجابة للضغوط الداخلية: عبّر الرئيس “قيس سعيد” بقرار استحداث مجلس مؤقت أعلى للقضاء عن عدم استجابته للضغوط الداخلية والخارجية التي انتقدت قيامه بحل المجلس الأعلى للقضاء وطالبته بالرجوع عن هذا القرار، وإعادة المجلس السابق إلى عمله، خاصة وأن الرئيس “قيس سعيد” قد استبق الانتقادات التي وُجهت له بالتأكيد على عدم التدخل في عمل القضاء، وأن حلّ ذلك المجلس كان بغرض تطهير الدولة من كافة أنواع الفساد السياسي والمالي والإداري.

تصعيد محدود

خلاصة القول، يكشف قرار رئيس الدولة التونسي “قيس سعيد” بحل المجلس الأعلى للقضاء وتشكيل مجلس أعلى مؤقت، عن إصراره على مواصلة فرض الإجراءات الاستثنائية التي يواصل اتخاذها بهدف محاربة الفساد والقضاء على النفوذ الممتد لحركة النهضة داخل مؤسسات الدولة. وتُرجِّح المعطيات الراهنة محدودية فرص الإجراءات التصعيدية التي أعلن عنها القضاة المعارضون لحل المجلس الأعلى للقضاء، في رجوع الرئيس “سعيد” عن قراراته الأخيرة في هذا الخصوص، وترجيح الكشف عن بعض ملفات الفساد خلال الفترة القادمة للتأكيد على صحة ما يتخذه من إجراءات استثنائية، وكسب تأييد شعبي أكبر لهذه الإجراءات.