تفاهمات الضرورة:
انعكاسات الخلافات التركية – الإيرانية حول أذربيجان على الشرق الأوسط

تفاهمات الضرورة:

انعكاسات الخلافات التركية – الإيرانية حول أذربيجان على الشرق الأوسط



تصاعدت وتيرة الخلافات مؤخراً بين تركيا وإيران حول السياسة التركية تجاه أذربيجان، وذلك بعد المناورات العسكرية التي أجرتها كل من تركيا وباكستان وأذربيجان في بحر قزوين في12 سبتمبر الفائت والتي ردت عليها إيران، في أول أكتوبر الجاري، بإجراء مناورات بالقرب من الحدود مع أذربيجان. وسرعان ما أثارت هذه الخلافات تساؤلات حول انعكاساتها المحتملة على قضايا الشرق الأوسط، لاسيما في ظل انخراط أنقرة وطهران في بعض تلك القضايا. فعلى مدار السنوات الماضية، سعت تركيا وإيران إلى تجاوز الخلافات بينهما، وتأسيس نمط من التفاهم، وفقاً لمقتضيات الضرورة، بينهما حول القضايا والملفات الرئيسية على غرار الملف السوري، وكذلك التعاطي مع القضية الكردية وطموحات الأكراد لإنشاء دولة مستقلة لهم. علاوة على ذلك، فقد كان البعد الاقتصادي حاضراً بصورة رئيسية في العلاقات بينهما.

تباينات متصاعدة

فرض التدخل العسكري التركي الداعم لأذربيجان في صراعها مع أرمينيا، عام 2020، حول إقليم ناغورنو كاراباخ، والذي أفضى إلى نجاح أذربيجان في السيطرة على مناطق عديدة داخل الإقليم، متغيرات جديدة في العلاقات التركية- الإيرانية. فقد نظرت طهران بتوجس شديد لهذا التواجد التركي بالقرب من حدودها. ولم تخف امتعاضها من هذه السياسة التركية، حيث كانت المحطة الأولى للصدام العلني بين الدولتين في 11 ديسمبر 2020 حينما اعترضت طهران على قصيدة تتحدث عن تقسيم أرض أذربيجان بين روسيا وإيران في القرن التاسع عشر، استشهد بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء زيارته لأذربيجان، وبناءً عليها استدعت وزارة الخارجية الإيرانية حينها السفير التركي لدى طهران للاحتجاج على القصيدة واعتبرتها “تدخلاً” في شئونها الداخلية، وقالت وزارة الخارجية على موقعها الإلكتروني: “أبلغنا السفير التركي بأن حقبة المطالب المتعلقة بالأرض والإمبراطوريات التوسعية قد انقضت. لن تسمح إيران لأحد بالتدخل في وحدة أراضيها”.

وبالرغم من سعى الطرفين إلى تخفيف حدة الأزمة، فقد ظل الصراع الأذربيجاني- الأرميني المدخل الأهم لتصاعد الخلافات بين أنقرة وطهران، وخصوصاً مع التحركات العسكرية الأخيرة التي شهدتها المنطقة. ففي 12سبتمبر الفائت، أجرت كل من تركيا وأذربيجان وباكستان مناورات عسكرية في بحر قزوين تحت اسم “الأخوة الثلاثة”، وقد اعتبرت طهران، من خلال المتحدث باسم وزارة الخارجية سعيد خطيب زاده، أن المناورات تمثل تهديداً لأمنها.

كما سارعت طهران، في أول أكتوبر الجاري، إلى إجراء مناورات عسكرية باسم “فاتحو خيبر” بمشاركة القوات المسلحة الأرمينية على الحدود مع أذربيجان، وهى المناورات التي قوبلت بانتقاد من جانب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف. وبعد هذه المناورات بأيام قليلة، تم الإعلان في 5 أكتوبر الجاري عن بدء مناورات عسكرية بين الجيشين التركي والآذري في منطقة “نهجفان” الآذرية.

سيناريوهان محتملان

تستدعي الخلافات بين تركيا وإيران حول أذربيجان تساؤلات حول مستقبل سياسات طهران وأنقرة في قضايا الشرق الأوسط، ولاسيما أن بعض هذه القضايا شهدت قدراً من التفاهمات الضرورية بين الدولتين بالرغم من الخلافات بينهما في الأهداف وشبكة التحالفات. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى سيناريوهين محتملين لانعكاسات التوترات في أذربيجان على الشرق الأوسط.

السيناريو الأول، يتمثل في مواصلة التنسيق، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب على أقل تقدير، ويفترض أن إيران وتركيا سوف تستمران في التنسيق البراجماتي بينهما في قضايا وملفات الشرق الأوسط، بعيداً عن التوتر الناشئ بينهما في الملف الأذربيجاني، ولا ينصرف هذا السيناريو إلى تأسيس تحالف بين الدولتين، فكل ما هنالك أن ثنائية “التعاون – التنافس” سوف تستمر كمُحرِّك للعلاقات بين الطرفين، وهو ما تفرضه متغيرات عديدة تتمثل في:

1- اتساع نطاق المصالح الاقتصادية: والتي تشكل محوراً هاماً في العلاقات التركية- الإيرانية، وتساعد بشكل ما على إدارة الخلافات بينهما في قضايا الشرق الأوسط. صحيح أن العلاقات الاقتصادية بينهما تأثرت كثيراً بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي مع إيران في 8مايو 2018، إلا أن البعد الاقتصادي يظل محدداً هاماً للعلاقات بينهما، خاصة أن تركيا تبدي اهتماماً خاصاً بموارد الطاقة الإيرانية، من الغاز والنفط، فضلاً عن أن إيران تمثل سوقاً كبيرة للسلع التركية. إلى جانب أن الأخيرة تعد ممراً مهماً للأولى للوصول إلى أسواق آسيا الوسطى، بالإضافة إلى أن الاستثمارات الإيرانية في تركيا تفرض تأثيراً واضحاً في هذا السياق، حيث تشير التقديرات إلى أن الإيرانيين يأتون في المرتبة الثانية في شراء العقارات في تركيا. وظهرت أهمية البعد الاقتصادي في العلاقات بين الدولتين مؤخراً مع إعلان المتحدث باسم الجمارك الإيرانية روح الله لطيفي، في أول أكتوبر الجاري، تفعيل الممر الثلاثي (اسطنبول – طهران – إسلام أباد) لمنظمة التعاون الاقتصادي بإرسال تجريبي لشاحنتين، يحملان نسيجاً ومطاطاً، من مدينة كراتشي الباكستانية إلى اسطنبول عبر إيران.

2- التوافق على تهدئة التوترات: يحتمل أن تسعى تركيا وإيران، بحسب هذا السيناريو، إلى تهدئة التوترات بينهما في ملف أذربيجان كي لا يكون لذلك الأمر انعكاس سلبي على قضايا الشرق الأوسط. ولعل هذا ما يفسر توقيت انعقاد جلسة المشاورات السياسية التي جرت في 8 أكتوبر الجاري، في أنقرة بين الجانبين برئاسة نائبى وزيرى الخارجية، التركي سادات أونال، والإيراني علي باقري كني. ووفقاً لوزارة الخارجية التركية، فقد شهدت جلسة المشاورات تبادل الطرفين وجهات النظر إزاء عدد من القضايا الإقليمية والدولية، أبرزها: سوريا، وأفغانستان، واليمن، ومنطقة القوقاز.

وربما تكون رؤية قيادة الدولتين لأهمية العلاقات بينهما في الوقت الراهن مُحفِّزاً لتخفيف حدة التوترات، ففي الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيسين الإيراني إبراهيم رئيسي والتركي رجب طيب أردوغان، في 12 أغسطس الماضي، ذكر رئيسي أن “التعاون الإيراني- التركي يعد ضرورياً لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة”. كما أكد الرئيس التركي على أن العلاقات الإيرانية- التركية ستتطور خلال الفترة المقبلة.

3- تصاعد انعكاسات الأزمة الأفغانية: يشكل هذا الملف محوراً هاماً للتفاهمات بين الدولتين، ومن ثم قد يدفعهما إلى تأجيل الخلافات، واستمرار التفاهمات البراجماتية في قضايا المنطقة. ولعل هذا ما أشار إليه رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب خلال لقاءه، في 5 أغسطس الماضي، مع نظيره الإيراني محمد باقر قاليباف في طهران، حيث ذكر أن تركيا وإيران هما الأكثر تضرراً من أزمة الهجرة في أفغانستان، مضيفاً: “يجب زيادة التعاون لضمان الاستقرار ووقف موجة الهجرة في هذا البلد”. وبخلاف قضية الهجرة وتأثيراتها، يبدو أن الدولتين في حاجة للتنسيق بينهما، فإيران تهتم بما يجري في الساحة الأفغانية باعتبارها دولة جوار وما يحدث فيها يكون له انعكاس مباشر على أمنها ومصالحها. كما أن اهتمام تركيا بتعزيز نفوذها داخل أفغانستان، وتوطيد العلاقات مع حركة “طالبان”، يدفع طهران إلى التواصل مع أنقرة سواء لاستقراء الدوافع التركية في هذا الشأن، أو حتى للتعبير عن الخطوط الحمراء غير المسموح بها بالنسبة لطهران.

4- تزايد ضغوط القضية الكردية: بالرغم من التباينات الظاهرة بين طهران وأنقرة في تعاطيهما مع الصراع السوري، حيث تدخلت طهران لدعم نظام الأسد بينما استهدفت أنقرة الإطاحة به عبر دعم المعارضة، ولكن بمرور الوقت فرضت مقتضيات الصراع نوعاً من التفاهمات بين الدولتين وخصوصاً مع التحول في أولويات السياسة التركية في سوريا، إذ بات من الواضح أن تركيا قد فشلت في جهودها للإطاحة بنظام الأسد. وكانت النتيجة ظهور مسار أستانا الثلاثي الذي ساهم في توسيع نطاق التنسيق بين روسيا وتركيا وإيران حول التطورات في سوريا. وفي هكذا سياق، أصبحت قضية الأكراد تمثل أولوية بالنسبة لأنقرة، فقد دفعت الطموحات السياسية للقومية الكردية تركيا وإيران إلى المعسكر نفسه للمضي في تعاونهما في كل من العراق وسوريا، وذلك في إطار تخوفهما المشترك من تأثير المشروع الكردي (في سوريا والعراق) على الاستقرار الداخلي في كل منهما. وعليه، نظرت تركيا إلى إقامة علاقات أوثق مع إيران وروسيا ضد فصائل حزب العمال الكردستاني في سوريا كمدخل مهم وأساسي لمنعها من تشكيل دولة مستقلة، وضمن هذا النهج أيضاً أعلنت الدولتان (تركيا وإيران) رفضهما لاستفتاء حكومة إقليم كردستان على الاستقلال في عام 2017.

5- التقارب في الملف النووي: تبنت أنقرة، في السنوات الماضية، موقفاً إيجابياً بالنسبة لطهران فيما يتعلق بالملف النووي، وهو الموقف الذي عبّر عنه الرفض التركي للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وكذلك معارضة فرض عقوبات أمريكية على إيران، ورأت أنقرة في الاتفاق النووي أداة لتحقيق الاستقرار في المنطقة، وكذلك منع طهران من تطوير سلاحها النووي. ولا يرجح أن يتأثر هذا الموقف، على أقل تقدير في المدى القريب، بفعل التوترات الإيرانية- التركية حول الملف الأذربيجاني، ولاسيما أن التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران يمكن أن يخدم المصالح التركية بما في ذلك المصالح الاقتصادية.

السيناريو الثاني، ينصرف إلى الصراع المفتوح ويشير هذا السيناريو إلى الأثر الواسع المدى للخلافات التركية- الإيرانية في أذربيجان على علاقات الدولتين في ملفات وقضايا الشرق الأوسط المتعددة، وبالتالي يمكن، وفقاً له، أن يندلع صراع مفتوح بين أنقرة وطهران وتتراجع في الوقت ذاته مساحات التفاهم البراجماتي بينهما. ويستند هذا السيناريو إلى عدد من المعطيات، في مقدمتها البعد التاريخي وميراث عدم الثقة، الذي يتداخل فيه أيضاً البعد العقائدي بين الدولتين منذ زمن الدولة العثمانية والإمبراطورية الفارسية.

ومن جهة ثانية، يحتمل أن يكون، بحسب هذا السيناريو، للتحولات الإقليمية والدولية الراهنة تأثير سلبي على التفاهمات بين الدولتين في المنطقة، فوصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى البيت الأبيض، وتخفيف حدة التوترات الأمريكية- التركية، وكذلك تراجع التخوفات التركية من مساعي واشنطن لتأسيس نظام إقليمي جديد، بعيداً عن تركيا، يمكن أن يقلل من رغبة أنقرة في إخفاء خلافاتها مع إيران.

كما أن التحولات في السياسات الإقليمية التركية، ومحاولة فتح قنوات جديدة للتواصل مع قوى إقليمية رئيسية لتجاوز السياسات العدائية التركية في السنوات الماضية، فضلاً عن التغيرات التي يشهدها الصراع السوري والانفتاح العربي المتزايد على نظام الأسد مؤخراً، والذي يستهدف تخفيف التأثير والنفوذ الإيراني في سوريا، يمكن أن توفر لأنقرة مُحفِّزات جديدة لتصعيد نبرة انتقادها للسياسة الإيرانية، وشبكة وكلائها في المنطقة.

ختاماً، صحيح أن سيناريو الصراع المفتوح بين تركيا وإيران وارد حصوله في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، إلا أنه ليس من المرجح أن يحدث في المدى القريب، وخصوصاً أن هذه المتغيرات لا تزال في طور الاختبار الأوَّلي ولم تضح ملامح مآلاتها. وعليه، يظل سيناريو مواصلة التنسيق أو”تفاهمات الضرورة”، إن جاز التعبير، هو الأقرب للتحقق في المدى القريب، فالدولتان ستحافظان على مساحات للتعاون البراجماتي في بعض الملفات، بالموازاة مع التنافس في ملفات أخرى على غرار الملف الأذربيجاني.