إسرائيل وجدل غزة – الحائط العربي
إسرائيل وجدل غزة

إسرائيل وجدل غزة



‏فى إطار متابعتنا حرب غزة، يلتفت القليل منّا للجدل الدائر الآن في الداخل الإسرائيلى، رغم أن هذا الجدل قد يقدم لنا مؤشرات تساعد في الإجابة حول عدد من الأسئلة المهمة، منها متى تنتهى الحرب؟، وما الأهداف التي تسعى إسرائيل لتحقيقها؟، وما معنى الانتصار؟، ‏وما شكل مستقبل قطاع غزة ومستقبل إسرائيل أيضًا؟.

‏فى البداية وقبل التطرق للجدل، يمكن القول إن هناك توافقًا إسرائيليًّا على أن هجوم 7 أكتوبر الماضى قد هز قناعات الإسرائيليين بأنهم يعيشون في دولة آمنة، بل إن البعض يتحدث عما يسمى سيناريو يوم القيامة، وهو احتمال فتح ثلاث جبهات في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، وبالتالى تعرض وجود دولة إسرائيل نفسه للخطر. هناك أيضًا الإحساس لدى يهود الخارج بأن إسرائيل لم تعد المكان الذي يمكن أن يذهبوا إليه في حالة تعرضهم للخطر في أماكن تواجدهم لأن إسرائيل نفسها لم تعد آمنة.

استعادة الإحساس بالأمن هي الهدف الرئيسى الذي تسعى القيادة الإسرائيلية لتحقيقه في حرب غزة الآن، لذا فإن البعض يصف الحرب الحالية بأنها ليست بالضرورة حربًا ضد حماس، ولكنها «حرب ضد 7 أكتوبر» وما أحدثه هذا اليوم من هزة عميقة لدى المجتمع الإسرائيلى.

‏ومع ذلك، فقد بدأ يظهر جدل إسرائيلى حول معنى الانتصار، ومتى يمكن إعلان نهاية المهمة Mission،accomplished وهنا لا توجد إجابات قاطعة، فمع تزايد الاعتقاد بصعوبة تدمير حماس بالكامل، فإن الهدف أصبح الآن تدمير البنية التحتية لحماس، سواء كانت المدنية أو العسكرية، كما حدث في شمال غزة، والذى قد يمتد إلى الوسط والجنوب، اعتقادًا أن مشاهد الدمار قد تعطى إحساسًا للإسرائيليين بالانتصار، وهناك أيضًا الحديث حول قتل أو أسر القادة العسكريين الكبار لحماس، واعتبار ذلك أحد مؤشرات الانتصار.

وفى كل الأحوال، فمن الواضح أن الحرب مستمرة، وقد تمتد لعدة شهور، حتى لو حدثت هدنة إنسانية أو وقف مؤقت لإطلاق النار يستهدف تبادل الأسرى، ولكن ستعود المعارك مرة أخرى. وهذا ما يبرر الحديث عن إنشاء منطقة آمنة في جنوب غزة، في منطقة «المواصى» لكى يذهب إليها أهل غزة، بما في ذلك مَن يعيشون في الوسط والجنوب، ويتم فيها تقديم المساعدات الإنسانية تحت إشراف الأمم المتحدة، وكلها مؤشرات تدل على نية إسرائيل الاستمرار في العمليات العسكرية البرية.

أما بالنسبة لمستقبل غزة، فهناك توافق إسرائيلى على استبعاد حماس من أي إدارة مستقبلية لقطاع غزة، وهناك مؤشرات على أن القوات الإسرائيلية سوف تبقى في قطاع غزة، وخاصة في الشمال، كقوة احتلال لفترة طويلة، واستخدام ذلك كورقة ضغط في مفاوضات مستقبل غزة، ولضمان عدم عودة حماس إلى الحكم. والواقع أن التدمير الكبير الذي يشهده شمال غزة كان الهدف منه بقاء الاحتلال، وعرقلة عودة السكان، فكيف يعودون إلى مساكن ومدارس ومستشفيات وبنية تحتية مدمرة؟!.

أما بالنسبة للأمن، فهناك قبول إسرائيلى متزايد لفكرة قيام قوات دولية بالحفاظ على الأمن في غزة، من خلال ما يسمى إنشاء «مناطق زرقاء» أي مناطق تقوم فيها قوات الأمم المتحدة بتأمين الحدود مع إسرائيل، كما في لبنان وسوريا.

‏أما الجدل الإسرائيلى الأكبر، والذى يتسع كل يوم، فيدور حول مستقبل إسرائيل ما بعد الحرب. وفى حين أن اليمين الإسرائيلى المتطرف يروج الآن لفكرة أن كل الفلسطينيين حماس، ويدعو إلى إعادة احتلال غزة وإنشاء مستوطنات بها، إلا أن الاتجاه الغالب هو توجيه الانتقادات لليمين، بما في ذلك حكومة نتنياهو، وتحميلها المسؤولية عما حدث في 7 أكتوبر الماضى، انطلاقًا من فكرة أن الحكومة أنفقت المليارات في بناء جدار عازل، برى وبحرى وجوى، مع غزة، ولكنه فشل في القيام بمهمته، كما أن القوات الإسرائيلية انشغلت بحماية المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية، وتركت سكان محيط غزة بدون حماية.

‏وبالرغم من توحد المجتمع الإسرائيلى الآن خلف القيادة السياسية والعسكرية في مرحلة الحرب، وهو ما حدث من قبل بعد مفاجآت حرب أكتوبر 1973، فإن هناك اعتقادًا بأن ساعة الحساب سوف تأتى بعد توقف الحرب، وأن جيلًا من القادة العسكريين ومن السياسيين، وعلى رأسهم نتنياهو، سيكون عليهم أن يرحلوا، وربما كان هذا أحد الأسباب التي تدفع نتنياهو إلى إطالة أمد الحرب، بهدف تأجيل ساعة الحساب، وأملًا في تحقيق إنجاز على أرض المعركة، قد يخفف من هذا الحساب، أو يجعله ينجو منه.

‏ومع ذلك، بدأ تظهر أصوات تدعو إلى تغيير تركيبة الحكم في إسرائيل، بعيدًا عن اليمين المتطرف وفى اتجاه قوى الوسط السياسى، كما بدأت أصوات اليسار وجماعات السلام، ومنها حركة السلام الآن، تعود إلى الظهور مرة أخرى، وتطرح نفسها بديلًا.

‏باختصار، هناك جدل إسرائيلى كبير حول مستقبل الحرب ومستقبل القضية الفلسطينية ومستقبل إسرائيل نفسها، وعلينا أن نتابعه، وربما نشتبك معه، وبما يحقق المصالح الفلسطينية ومصالح الأمن القومى المصرى.

وأخيرًا لابد من عودة الاهتمام بالدراسات الإسرائيلية في الجامعات ومراكز البحث المصرية، وخلق جيل جديد من المتخصصين في هذا المجال.

نقلا عن المصري اليوم